نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٩٢ - غزوة بنى النضير
و خبيب، و عبد الله بن طارق، فأخذوهم إلى مكة، فهرب عبد الله بن طارق في الطريق، و قاتل إلى أن قتلوه بالحجارة، فلما وصلوا إلى مكة في ذى القعدة حبسوا كلّ واحد منهما حتّى تخرج الأشهر الحرم، و لما انسلخ الأشهر الحرم أخرجوا خبيبا و زيدا من الحرم إلى التنعيم ليقتلوهما في الحلّ، و اجتمع خبيب و زيد في الطريق فتواصوا بالصبر و الثبات على ما يلحقهما من المكاره، قال لهم خبيب:
دعونى أصلّي ركعتين، فتركوه، فصلّى ركعتين، و قال: و الله لو لا أن تحسبوا أنّ ما بى من جزع لزدت. و عند موسى بن عقبة أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم و قال: «اللهم أحصهم عددا و اقتلهم بددا (يعنى متفرقين) [١] و لا تبق منهم أحدا». فلم يحل الحول، و منهم أحد حيّ، ثم أنشأ خبيب يقول:
فلست أبالي حين أقتل مسلما * * * علي أيّ شقّ كان في الله مضجعى
و ذلك في ذات الإله و إن يشأ * * * يبارك علي أوصال شلو (*)ممزّع
إلي الله أشكو غربتى بعد كربتى * * * و ما أرصد الأحزاب لى عند مصرعى
[الأوصال: جمع وصل، و هو العضو. و الشلو: بكسر الشين المعجمة الجسد، و يطلق على العضو، لكن المراد بها هنا الجسد].
قال أبو هريرة: «كان خبيب أوّل من سنّ الركعتين عند القتل لكلّ مسلم قتل صبرا»، لأنه فعلهما في حياته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فاستحسن ذلك من فعله و قرّرهما، و استحسنه المسلمون، فبقى سنة. و الصلاة خير ما ختم به عمل العبد.
* و في هذه السنة أمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) زيد بن ثابت بتعلّم [٢] السريانية، و سيأتى ذلك موضحا في تراجمة النبي- (عليه الصلاة و السلام).
* و في هذه السنة الرابعة، و قيل في الخامسة نزلت آية الحجاب، و المراد بالآية الطائفة من القرآن نزل فيها الأمر بالستر، و هى قوله تعالى: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ [الأحزاب: ٣٣]، أى «الزمن بيوتكن» وَ لا تَبَرَّجْنَ قيل: هو التكسّر و التبختر،
[١] و المعنى: أن يشتت الله شملهم.
* الشلو الجسد و الجلد من كل شيء.
[٢] فى الأصل «بتعليم» و هو خطأ واضح.