نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٢٨ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
ثم أمر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأبى جهل أن يلتمس في القتلي، و قال: إن خفي عليكم انظروا إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت يوما و هو على مائدة لعبد الله بن جدعان، و نحن غلمان، و كنت أسنّ منه، فدفعته فوقع على ركبتيه، فجحش جحشا على إحداهما (أى خدش خدشا لم يزل أثره به) فحمل عبد الله بن مسعود رأس أبى جهل بن هشام إليه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فسجد شكرا لله تعالى؛ لراحة المسلمين من هذا الفاجر، و كان يكنى أبا الحكم فكناه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبا جهل، و هو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، و أمه أسماء بنت مخرمة [١] بن نهشل.
استطراد: كان المغيرة بن عبد الله بن المعرض: الملقّب بالأقيشر، تزوّج بابنة عم له يقال لها الرباب، على أربعة آلاف درهم، فأتى قومه فسألهم فلم يعطوه شيئا، فأتى ابن رأس البغل، و هو دهقان الصين و كان مجوسيا فسأله فأعطاه الصداق كاملا، فقال:
كفانى المجوسيّ بمهر الرّباب * * * فدى للمجوسى خال و عم
شهدت عليك بطيب الأروم * * * فإنك بحر جواد خضم
و إنك سيد أهل الجحيم * * * إذا ما ترديت في من ظلم
تجاور هامان في قعرها * * * و فرعون و المكتنى بالحكم [٢]
فقال المجوسي: ويحك سألت قومك فلم يعطوك شيئا، و جئتنى فأعطيتك فجزيتنى هذا القول! فقال: أ ما ترضى أن جعلتك مع الملوك و فوق أبى جهل!.
و استشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا؛ ستة من المهاجرين، و ثمانية من الأنصار، و قتل من المشركين سبعون، و أسر سبعون، و انهزم الباقون، و غنم (عليه الصلاة و السلام) متاعهم، و كان من جملة الأسرى: العباس عمّ رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم).
[١] هي أسماء بنت مخرمة (فى الأصل: «مخزومة»).
[٢] يقصد أبا جهل لعنه الله.