نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٢٧ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
و أنفه و فمه، فلا يدرى أين يتوجه، يعالج التراب لينزعه من عينه، و قال لأصحابه: «شدّوا عليهم» فكانت الهزيمة على المشركين، و ردفهم المسلمون يقتلون و يأسرون، و أنزل الله (تعالى: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال:
١٧].
و قد ورد عن عمر رضى الله عنه أنه لما كان يوم بدر، و انهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في آثارهم مصلتا السيف يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٥].
و كان من جملة من خرج مع المشركين يوم بدر: عبد الرحمن بن أبى بكر، و كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة، فسماه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عبد الرحمن، و كان من أشجع قريش، و أسنّ ولد أبيه، فلما أسلم في هدنة الحديبية و هاجر إلى المدينة قال لأبيه: لقد هدفت [١] لى يوم بدر مرارا فأعرضت عنك، فقال أبو بكر: لو هدفت لى لم أعرض عنك.
و كان حرسه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ببدر: سعد بن معاذ، و ذكوان بن عبد الله، و يوم أحد حرسه:
محمد بن مسلمة الأنصاري. و حرسه يوم الخندق: الزبير بن العوام، و سعد ابن أبى وقاص، و عباد بن بشر. و حرسه ليلة خيبر: أبو أيوب الأنصارى. و حرسه بلال بوادى القرى [٢]، فلما أنزل الله تعالى: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:
٦٧] ترك الحرس.
و في يوم بدر قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه و كان مشركا، و أنزل الله تعالى:
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ... الآية [المجادلة: ٢٢].
و قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من له علم بنوفل بن خويلد؟ فقال علي: أنا قتلته. فكبّر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قال: الحمد لله الّذي أجاب دعوتى فيه»؛ فإنه لما التقى الصفان نادى نوفل بصوت رفيع: يا معشر قريش: اليوم يوم الرفعة و العلى، فقال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اللهم اكفنى نوفل بن خويلد».
[١] أى كنت هدفا لى أستطيع قتلك.
[٢] واد بين المدينة و الشام، من أعمال المدينة، كثير القري.