نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢١٩ - الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، و ما فيها من الغزوات
المشاة، و معهم القينات (*) يضربن بالدفوف، و يغنين بهجاء المسلمين، و خرج رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من المدينة في ثلاثمائة رجل و ثلاثة عشر؛ من المهاجرين سبعة و سبعون، و باقيهم من الأنصار، و ما فيهم سوى فارسين: المقداد بن عمرو الكندي، و الزبير بن العوام، و نزل (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بدر، و بنى له عريش، و جلس فيه و معه أبو بكر رضى الله عنه.
و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد بعث طلحة بن عبيد الله و سعيد بن زيد يتحسسان خبر العير، فرجعا بخبر العير إلى المدينة، على ظن أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بالمدينة، فلما علما أنه ببدر خرجا إليه، فلقياه منصرفا من بدر، و أسهم [١] لكل منهما، و لو لم يحضرا القتال.
و دفع (صلّى اللّه عليه و سلّم) اللواء و كان أبيض إلى مصعب بن عمير، و كان أمامه (صلّى اللّه عليه و سلّم) رايتان سوداوتان، إحداهما مع علي بن أبى طالب، و يقال لها: «العقاب»، و الأخرى مع بعض الأنصار، قيل هو سعد بن معاذ، و قيل الحباب بن المنذر. و لبس (صلّى اللّه عليه و سلّم) درعه «ذات الفضول» و تقلد سيفه «العضب». و لما سار وادى دفران [٢] (بكسر الفاء و هو واد قريب من الصفراء) أتاه الخبر عن سفر قريش ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أصحابه، و أخبرهم الخبر و قال لهم: إن القوم قد خرجوا من مكة مسرعين، فما ذا تقولون؟ فقال طائفة منهم: العير أحبّ إلينا من لقاء العدو، فهلّا ذكرت لنا القتال حتّى نتأهب له إذ خرجنا للعير! فعند ذلك تغيّر وجه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال بعضهم: و هذا سبب نزول قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ [الأنفال: ٥] فعند ذلك قام أبو بكر فقال و أحسن، ثم قام عمر فقال و أحسن، ثم قام المقداد بن الأسود، فقال: «يا رسول الله امض لما أمرك الله به، فنحن معك، فو الله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسي: «اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون» و لكنا نقول: إنا معكما مقاتلون»، فلما سمع أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذلك تابعوهم، فأشرق عند ذلك وجهه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ثم قال:
* القينة: الأمة صانعة و غير صانعة، و غلب على المغنية.
[١] أى جعل لهما سهما في الغنائم.
[٢] فى المراصد «دقران» بالقاف واد بالصفراء أو: شعب ببدر.