نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٨٥ - الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه صدّيقه رضى الله تعالى عنه و هو ابتداء التاريخ الإسلامى
فإنه معهما بالإمداد و الإسعاد. و استأجر رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو و أبو بكر رضى الله عنه عبد الله بن أريقط دليلا، و هو علي دين كفار قريش، و لم يعرف له إسلام، فدفعا إليه راحلتهما و واعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتهما صبح ثلاث، و انطلق معهما عامر بن فهيرة و الدليل، فساروا علي طريق السواحل، و نزل (صلّى اللّه عليه و سلّم) بقديد [١] علي أم معبد: عاتكة بنت خالد، فمسح ضرع شاة مجهودة، و شرب من لبنها، و سقى أصحابه، و استمرت تلك البركة فيها، فلما جاء زوجها أكتم بن الجون، و رأي ما بالشاة من اللبن، سألها فقالت: «رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، متبلّج الوجه، حسن الخلق»، و صارت تصفه بأوصافه إلي أن قالت: له رفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، و إذا أمر يبادرون إلى أمره، فقال: و الله هذا صاحب قريش. ثم هاجرت بعد ذلك هى و زوجها، فأسلما، و كان أهلها يؤرخون بيوم نزول الرجل المبارك، و لمّا مرّت قريش سألوها عنه و وصفوه.
فقالت: ما أدرى ما تقولون، قد ضافنى حالب الحائل [٢]، فقالوا: ذاك الذي نريد.
و بعد أن خرج من مكة سمع صوت لا يرى صاحبه:
جزى الله ربّ الناس خير جزائه * * * رفيقين قالا خيمتى أم معبد
هما نزلا بالهدى و اهتديا به * * * و قد فاز من أمسى رفيق محمد
فما حملت من ناقة فوق رحلها * * * أبرّ و أوفى ذمة من محمد
فيال قصى [٣]ما زوى الله عنكم * * * به من فعال لا تجارى و سؤدد
ليهن بنى كعب مكان فتاتهم * * * و مقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها و إنائها * * * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت * * * به من صريح ضرّة الشّاة مزيد
فغادرها رهنا لديها لحالب * * * تزوّدها في مصدر ثم مورد
فعرف الناس توجهه إلى المدينة.
[١] فى المراصد «قديد» تصغير «قد» موضع قرب مكة.
[٢] الحائل: فى الأصل: كل أنثى لا تحبل، و بالتالى لا تدرّ لبنا، و المقصود هنا الشاة المجهودة.
[٣] يا آل قصى.