نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٢٥ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
خلاف الأولى لكنّا مأمورين به؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعهم في أقوالهم و أفعالهم، و هو تعالى لا يأمر بمحرم و لا مكروه إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [الأعراف: ٢٨].
و أما الصدق: فهو مطابقة خبرهم للواقع في دعوى الرسالة و الأحكام الشرعية و الأخبار العادية؛ لأنهم لو لم يصدقوا لما كان معنى لتصديقه تعالى لهم بالمعجزة النازلة منزلة قوله تعالى: «صدق عبدى في كل ما يبلغ عني»، و أيضا صدقهم في الأخبار العادية دليله داخل في دليل الأمانة.
و أما التبليغ فهو: تأدية ما أتوا به مما أمروا بتبليغه للخلق بخلاف ما أمروا بكتمانه، و ما خيّروا فيه. و دليله: أنهم لو كتموا شيئا مما أمروا بتبليغه للخلق لكنا مأمورين بكتمان العلم؛ لأن الله تعالى أمرنا بالاقتداء بهم، و كاتم العلم ملعون [١].
و لو جاز عليهم الكتمان لكتم رئيسهم الأعظم (صلّى اللّه عليه و سلّم) قوله تعالى: وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [الأحزاب: ٣٧]. و أصحّ محامله ما نقله من يعوّل عليه في التفسير عن علي بن الحسين من أن اللّه تعالى كان أعلم نبيّه أن زينب ستكون من أزواجه، فلما شكاها إليه زيد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أمسك عليك زوجك و اتق الله»، و أخفى في نفسه ما أعلمه اللّه به من أنّه سيتزوجها، و اللّه مبد ذلك بطلاق زيد لها و تزويجها (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و معنى الخشية: استحياؤه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من النّاس أن يقولوا: تزوّج زوجة ابنه، أى من تبناه، فعاتبه اللّه تعالى على هذا الاستحياء، لعلوّ مقامه.
و ما قيل من أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تعلّق قلبه بها و أخفاه، فلا يلتفت إليه، و إن جلّ ناقلوه؛ فإنّ أدنى الأولياء لا يصدر عنه مثل هذا الأمر، فما بالك به (صلّى اللّه عليه و سلّم) [٢]؟!.
[١] لقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم): «كاتم العلم يلعنه كل شيء، حتى الحوت في البحر، و الطير في السماء» رواه ابن الجوزى في العلل عن أبى سعيد.
[٢] و مما قيل أيضا، و هو مرضيّ: إنه كان يخفى في نفسه إبطال عادة التبنّى هذه، فكيف يبطلها؟
و كيف يواجه الناس بإبطال هذه العادة الفاسدة؟
أما ما قيل من غير هذه الأشياء، و ما يدور في فلكها من عدم مراعاة مقام النبوة و مكان الرسالة، فهو من قول المستشرقين و من حذا حذوهم قديما و حديثا، و هو باطل و مردود.