نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١١٩ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
هذا التفسير تدل على جواز السهو على الأنبياء و تطرّق الوسوسة إليهم سيأتى ردّه فى عبارة الشهاب لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: ٥٣] علة لتمكين الشيطان منه، و ذلك يدل على أن الملقى أمر ظاهر عرفه المحقّ و المبطل فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك و نفاق وَ الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ المشركين وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ يعنى الفريقين، فوضع الظاهر موضع ضميرهم، قضاء عليهم بالظلم لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ عن الحق، أو عن الرسول و المؤمنين. (انتهى كلام البيضاوي).
قال الشهاب: قوله «سبق لسانه سهوا» هذا غير صحيح؛ لأنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) محفوظ عن السهو بما يخالف الدين و الشرع؛ لأن التكلم بما هو كفر سهوا أو نسيانا لا يجوز على الأنبياء (عليهم الصلاة و السلام)؛ و إذا سها (صلّى اللّه عليه و سلّم) في صلاة و نحوها كان تشريعا، حتى قال بعض العلماء: إن سجدة السهو في حقه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سجدة شكر، و قول البيضاوى في عبارته المتقدمة: «و هو مردود عند المحققين»، قال الشيخ زادة:
يعنى أن جماعة من المفسرين و إن قالوا إن هذه الآيات نزلت تسلية له (عليه الصلاة و السلام) في اغتمامه بما سبق لسانه سهوا من حديث الغرانيق، إلا أنّ رؤساء أهل السنة و الجماعة ردّوا هذا القول، و قالوا: هذه الرواية باطلة موضوعة، و احتجوا عليه بالقرآن العظيم و السنة و المعقول:
أما القرآن فمنه قوله تعالى: وَ لَوْ تَقَوَّلَ [الحاقة: ٤٤] أى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأن كلّف نفسه أن يقول مرة في الدهر كذبا عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ أى التى لم نقلها، أو قلناها و لم نأذن له فيه، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ أي: بالقوة و القدرة، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ أى نياط القلب، و هو يتصل من الرأس، إذا انقطع مات صاحبه.
و منه أيضا قوله تعالى: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ. [يونس: ١٥] و منه قوله تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) [النجم: ٣، ٤]. فلو أنه (عليه الصلاة و السلام) قرأ عقيب هذه الآية قوله: [تلك الغرانيق العلي] لما ظهر صدق الله تعالى في جميع ذلك، و ذلك لا يقول به مسلم.
و أما السنة: فهو أنه روى عن محمد بن خزيمة أنه سئل عن هذه القصة فقال:
هذا من وضع الزنادقة، و صنّف فيه كتابا.