الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٤ - نور الإيمان في قلوب السحرة
لقد تربع على عرش الاستبداد سنين طوالا، و لم يكن يترقب من الناس أن لا يسجدوا أو يقوموا بعمل دون إذنه فحسب، بل كان ترقّبه أن تكون قلوب الناس و أفكارهم مرهونة به و بأمره، فليس لهم أن يفكّروا دون اذنه!! و هكذا هي سنة الجبابرة و المستكبرين!.
هذا المغرور الطائش لم يكن مستعدّا لأن يذكر اسم اللّه و لا اسم موسى، بل اكتفى بالقول (آمنتم له)! و المراد من هذا التعبير هو التحقير!! إلّا أن فرعون لم يقنع بهذا المقدار، بل أضاف جملتين أخريين ليثبّت موقعه كما يتصوّر أوّلا، و ليحول بين أفكار الناس اليقظين فيعيدهم غفلة نياما.
فاتّهم السحرة أوّلا بأنّهم تواطؤوا مع موسى عليه السّلام و تآمروا على أهل مصر جميعا، فقال: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ.
و قد اتفقتم مع موسى من قبل أن تردوا هذه الساحة، فتضلوا أهل مصر و تجرّوهم إلى الخضوع تحت سيطرة حكومتكم، و تريدون أن تطردوا أصحاب هذا البلد و تخرجوهم من ديارهم و تحلّوا العبيد محلهم ...
إلّا أنني لا أدعكم تنتصرون في هذه المؤامرة، و سأخنق المؤامرة في مهدها فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ.
أي: لا أكتفي بإعدامكم فحسب، بل أقتلكم قتلا بالتعذيب و الزجر بين الملأ العام، و على جذوع النخل، (لأن قطع الأيدي و الأرجل من خلاف يؤدي إلى الموت البطيء، فيذوق معه الإنسان التعذيب أكثر).
و هذه هي طريقة الجبابرة و الحكّام الظلمة في كل عصر و زمان، ففي البدء يتهمون الرجال المصلحين بالتآمر ضد الناس، و بعد الاستفادة من حربة التهمة يعملون السيف في رقاب ليضعف موقع المطالبين بالحق و لا يجدوا معاضدا لهم، فيزيحوهم من طريقهم.
إلّا أن فرعون لم يحقق هدفه هنا، لأن السحرة قبل لحظة- و المؤمنين في هذه