الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٥ - و أنذر عشيرتك الأقربين
يتصور انحرافه عن هذا الأصل ... إلّا أنّ أهمية هذه المسألة كانت بحيث أن يكون شخص النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- قبل كل شيء- مخاطبا بها. ليعرف الآخرون موقفهم ... ثمّ إن بناء الآخرين يبدأ من بناء شخصية الإنسان نفسه ...
ثمّ يأمره اللّه في مرحلة اخرى أن ينطلق إلى مدى أرحب في دعوته قائلا:
وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. [١] و لا شكّ أنّه للوصول إلى منهج تغييري ثوري واسع، لا بدّ من الابتداء من الحلقات الأدنى و الأصغر، فما أحسن أن يبدأ النّبي دعوته من أقربائه و أرحامه، لأنّهم يعرفون سوابقه النزيهة أكثر من سواهم كما أن علائق القربى و المودّة تستدعي الإصغاء إلى كلامه أكثر من غيرهم، و أن يكونوا أبعد من سواهم من حيث الحسد و الحقد و المخاصمة! إضافة إلى ذلك فإنّ هذا الأمر يدلّ على أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليس لديه أية مداهنة و لا مساومة مع أحد، ليستثني أقرباءه المشركين عن دعوته إلى التوحيد و الحق و العدل! ...
و عند ما نزلت هذه الآية، قام النّبي بما ينبغي عليه من أجل تنفيذ هذا الأمر الإلهي، و سيأتي تفصيل ذلك كله في حقل البحوث بإذن اللّه ...
أمّا المرحلة الثّالثة، فإنّ اللّه يوصي النّبي في دائرة أوسع فيقول: عليك أن تعامل اتباعك باللطف و المحبة: وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
و هذا التعبير الجميل الرائع كناية عن التواضع المشفوع بالمحبة و اللطف، كما أن الطيور تخفض أجنحتها لأفراخها محبّة منها لها، و تجعلها تحت أجنحتها لتكون مصانة من الحوادث المحتملة، و لتحفظها من التشتت و التفرّق! فكذلك الأمر بالنسبة للنّبي إذ أمر أن يخفض جناحه للمؤمنين الصادقين.
[١]- العشيرة مشتقّة من «العشرة» العدد المعروف [١٠] و حيث أن العشرة تعتبر في نفسها عددا كاملا، فقد سمي أقرباء الرجل الذين يكمل بهم عشيرة، و لعل المعاشرة مأخوذة من هذا المعنى، لأنّها تجعل الناس بصورة مجموعة كاملة.