الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٢ - يا نوح، لم يحف بك الأرذلون؟!
و كانوا يعرفونه بهذه الصفة السامية، فهو يقول لهم: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ و لهذا فإنّي أمين أيضا في أداء الرسالة الالهية، و لن تجدوا خيانة منّي أبدا ...
و تقديم التقوى على الإطاعة، لأنه ما لم يكن هناك إيمان و اعتقاد باللّه و خشية منه، فلن تتحقق الإطاعة لنبيّه ...
و مرّة أخرى يتمسك نوح عليه السّلام بحقانية دعوته، و يأتي بدليل آخر يقطع به لسان المتذرعين بالحجج الواهية، فيقول: وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ.
و معلوم أن الدوافع الإلهية- عادة- دليل على صدق مدعي النبوّة، في حين أن الدوافع المادّية تدل بوضوح على أن الهدف من ورائها هو طلب المنفعة، و لا سيما أن العرب في ذلك العصر كانوا يعرفون هذه المسألة في شأن الكهنة و أضرابهم ...
ثمّ يذكر القرآن ذلك التعبير نفسه الذي جاء على لسان نوح، بعد التأكيد على رسالته و أمانته، إذ يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ ...
إلّا أنّ المشركين الحمقى، حين رأوا سبل ما تذرّعوا به من الحجج الواهية موصدة، تمسكوا بهذه المسألة، ف قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ.
إن قيمة الزعيم ينبغي أن تعرف ممن حوله من الأتباع، و بعبارة أخرى «إن الولي يعرف من زوّاره- كما يقال» فحين نلاحظ قومك يا نوح، نجدهم حفنة من الأراذل و الفقراء و الحفاة و الكسبة الضعاف، قد داروا حولك، فكيف تتوقع أن يتبعك الاثرياء الأغنياء الشرفاء و الوجهاء و يخضعوا لك؟! و صحيح أنّهم كانوا صادقين و مصيبين في أنّ الزعيم يعرف عن طريق أتباعه، إلّا أن خطأهم الكبير هو عدم معرفتهم مفهوم الشخصية و معيارها ... إذ كانوا يرون معيار القيم في المال و الثروة و الألبسة و البيوت و المراكب الغالية و الجميلة، و كانوا غافلين عن النقاء و الصفاء و التقوى و الطهارة و طلب الحق، و الصفات العليا