الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٩ - آفات العمل الصالح
آفات العمل الصالح:
كلمة «هباء» بمعنى ذرات الغبار الصغيرة جدّا التي لا ترى بالعين المجرّدة و في الحال العادية أبدا إلّا في الوقت الذي يدخل نور الشمس إلى الغرفة المظلمة من ثقب أو كوّة، فيكشف عن هذه الذرات و يمكن مشاهدتها.
هذا التعبير يدل على أن أعمال أولئك لا قيمة لها و لا اثر إلى حدّ كأنّهم لم يعملوا شيئا، و إن كانوا قد سعوا و اجتهدوا سنين طويلة.
هذه الآية نظيرة الآية (١٨) من سورة إبراهيم التي تقول: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ.
الدليل المنطقي لذلك واضح أيضا، لأنّ الشيء الذي يعطي عمل الإنسان الشكل و المحتوى، هو النيّة و الدافع و غاية العمل النهائية، فأهل الإيمان يتوجهون لإنجاز أعمالهم بدافع إلهي و على أساس أهداف مقدسة طاهرة، و خطط سليمة صحيحة، في حين أن من لا إيمان لهم، فغالبا يقعون أسارى التظاهر و الرياء و الغرور و العجب، فيكون سببا في انعدام أية قيمة لأعمالهم.
على سبيل المثال، نحن نعرف مساجد من مئات السنين، لم تترك عليها القرون الماضية أدنى تأثير، و بعكسها نرى بيوتا تظهر فيها الشروخ و علامات الضعف مع مضي شهر واحد أو سنة واحدة، فالأولى بنيت من كل النواحي بناء محكما بأفضل المواد مع توقع الحوادث المستقبلية، أمّا الثّانية فلأن الهدف من بنائها هو تهيئة المال و الثروة عن طريق المظاهر و الحيلة، فالعناية فيها كانت بالزخرفة فقط. [١] من وجهة نظر المنطق الإسلامي، فإن للأعمال الصالحة آفات، ينبغي مراقبتها بدقة، فقد يكون العمل أحيانا خرابا و فاسدا منذ البداية، كمثل العمل الذي يتخذ
[١]- بحثنا في هذا الصدد بصورة أكثر تفصيلا في (ذيل الآية ١٨ من سورة إبراهيم).