الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - مع كل هذه الدروس و العبر، و لكن
المشركين المعاندين الذين مرّ أنموذج من أقوالهم في الآيات السابقة، من جهة أخرى و يجسد دروس العبرة من مصير هذه الأقوام بشكل مختصر و بليغ تماما.
يقول أوّلا: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ جَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً.
فقد ألقيت على عاتقيهما لمسؤولية الثقيلة في جهاد الفراعنة، و يجب عليهما مواصلة هذا العمل الثوري بمساعدة أحدهما الآخر حتى يثمر فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فإنّهم قد كذبوا دلائل اللّه و آياته التي في الآفاق و في الأنفس و في كل عالم الوجود، و أصروا على طريق الشرك و عبادة الأصنام من جهة .. و من جهة أخرى أعرضوا عن تعاليم الأنبياء السابقين و كذبوهم.
و لكن بالرغم من جميع الجهود و المساعي التي بذلها موسى و هارون، بالرغم من رؤية كل تلك المعجزات العظيمة و البينات المتنوعة، أصروا أيضا على طريق الكفر و الإنكار، لذا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً.
كلمة «تدمير» من مادة «دمار» بمعنى الإهلاك بأسلوب يثير العجب، حيث كان هلاك قوم فرعون في أمواج النيل المتلاطمة بتلك الكيفية المعروفة من عجائب التاريخ حقا.
و كذلك: وَ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَ جَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً، وَ أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً.
الملفت للانتباه أنّه تعالى يقول: إنّ أولئك كذبوا الرسل (لا رسولا واحدا فقط) ذلك أنه لا فرق بين أنبياء اللّه و رسله في أصل الدعوة، و تكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم، فضلا عن أنّهم كانوا مخالفين لدعوة جميع أنبياء اللّه و منكرين لجميع الأديان.
و كذلك: وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً. [١]
[١]- «و عادا و ثمودا» عطف على ضمير «هم» في جملة «دمرناهم». و احتمل بعضهم أيضا أن العطف على «هم» في «جعلناهم»، أو يكون عطفا على محل «الظالمين» لكن الاحتمال الأوّل مناسب أكثر.