الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٤ - مواجهة فرعون مواجهة منطقية و قاطعة
يحمي المظلوم و يدافع عنه، و لم يدر أنّه ستؤول ضربته إلى الإجهاز عليه و قتله، فبناء على ذلك فإنّ الضالّ هنا معناه «الغافل» و المراد منه الغافل عن العاقبة التي أدّى عمله إليها.
و قال بعض المفسّرين: إنّ المراد من ذلك أنّه لم يكن أيّ خطأ في قتل القبطي الظالم لأنّه كان مستحقا، بل إنّ موسى عليه السّلام يريد أن يقول: إنّه لم يدر أن عاقبة عمله ستكون على هذا الوجه، و أنه لا يستطيع البقاء في مصر و عليه أن يخرج بعيدا عن وطنه، و أن يتأخر منهجه «في أداء رسالته».
و لكن الظاهر أنّ هذا لا يعدّ جوابا لفرعون، بل هو موضوع كان لموسى أن يبيّنه لأتباعه و من حوله من محبّيه! لا أنه ردّ على إشكال فرعون! و التّفسير الثّالث الذي من المحتمل أن يكون مناسبا أكثر لمقام موسى عليه السّلام- من جهات متعددة- و يتلاءم و عظمة كيانه، أن موسى عليه السّلام استخدم التورية في تعبيره جوابا على كلام فرعون، فقال كلاما ظاهره أنّه لم يعرف طريق الحق في ذلك الزمان ... لكنّ اللّه عرّفه إياه بعدئذ، و وهب له حكما- فجعله من المرسلين، إلّا أنه كان يقصد في الباطن أنه لم يدر أن عمله حينئذ سيؤدي إلى هذه النتيجة! من الجهد و العناء و اضطراب البال- مع أنّ أصل عمله كان حقا و مطابقا لقانون العدالة «أو أنه يوم كانت هذه الحادثة قد وقعت كان موسى عليه السّلام قد ضلّ طريقه فصادف أمامه هذه القضيّة» ...
و نحن نعرف أن «التورية» هي أن يقول الإنسان كلاما باطنه حق، إلّا أن الطرف الآخر يفهم من ظاهره شيئا آخر، و هذا الأمر يقع في موارد خاصّة يبتلى الإنسان فيها بالحرج أو الضيق، و لا يريد أن يكذب، و هو في الوقت ذاته على ظاهر كلامه ... [١]
[١]- هذا الكلام يوافق مضمون الحديث الوارد عن الإمام الرضا عليه السّلام في تفسير الآية، راجع كتاب عيون اخبار الرضا، ج ٤، ص ٤٨ نقلا عن «نور الثقلين».