الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢ - حديث الافك المثير
المنحرفين و المنافقين الحاقدين إلى جحورهم.
و مهما يكن سبب نزول هذه الأحكام، فإنها لا تخص سبب النّزول وحده، و لا تنصرف لزمانه و مكانه فقط، بل هي أحكام نافذة في كلّ بيئة و زمان.
بعد هذا الحديث نشرع في تفسير هذه الآيات لنرى كيف يتابع القرآن بفصاحته و بلاغته هذه الحادثة الخاصّة، و كيف يبحث تفاصيلها بدقة.
التّفسير
حديث الافك المثير:
تقول أوّل آية من الآيات موضع البحث، دون أن تطرح أصل الحادثة إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لأن من علائم الفصاحة و البلاغة، حذف الجمل الزائدة، و الاكتفاء بما تدلّ عليه الكلمات من معان شاملة.
كلمة «الإفك» على وزن «فكر» كما يقول الراغب الأصفهاني: يقصد بها كل مصروف عن وجهه، الذي يحق له أن يكون عليه، و منه قيل للرياح العادلة عن المهاب «مؤتفكة» ثمّ أطلقت على كل كلام منحرف عن الحق و مجانب للصواب، و من ذلك يطلق على الكذب «أفك».
و يرى «الطبرسي» في مجمع البيان أن الإفك لا يطلق على كل كذبة بل الكذبة الكبيرة التي تبدل الموضوع عن حالته الأصلية، و على هذا يستفاد أن كلمة «الإفك» بنفسها تبيّن أهمية هذه الحادثة و كذب التهمة المطروحة.
و أمّا كلمة «العصبة» فعلى وزن «فعلة» مشتقّة من العصب، و جمعها أعصاب، و هي التي تربط عضلات الجسم بعضها مع بعض، و على شكل شبكة منتشرة في الجسم، ثمّ أطلقت كلمة «عصبة» على مجموعة من الناس متحدة و ذات عقيدة واحدة.