الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦١ - أضلّ من الأنعام
يقول تعالى أولا: وَ إِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا. [١] و هكذا نجد هؤلاء الكفار يتعجبون! أيّ ادعاء عظيم يدعي؟ أي كلام عجيب يقول!؟ إنّها مهزلة حقّا! لكن يجب ألا ننسى أنّ رسول الإسلام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، كان هو ذلك الشخص الذي عاش بينهم أربعين عاما قبل الرسالة، و كان معروفا بالأمانة و الصدق و الذكاء و الدراية، لكنّ رؤوس الكفر تناسوا صفاته هذه حينما تعرضت منافعهم الى الخطر، و تلقوا مسألة دعوة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- بالرغم من جميع تلك الشواهد و الدلائل الناطقة- بالسخرية و الاستهزاء حتى لقد اتّهموه بالجنون.
ثمّ يواصل القرآن ذكر مقولات المشركين فينقل عن لسانهم إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [٢].
لكن القرآن يجيبهم من عدّة طرق، ففي البداية من خلال جملة واحدة حاسمة يرد على مقولات هذه الفئة التي ما كانت أهلا للمنطق: وَ سَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا.
يمكن أن يكون هذا العذاب إشارة إلى عذاب القيامة، كما قال بعض المفسّرين مثل «الطبرسي» في مجمع البيان، أو عذاب الدنيا مثل الهزيمة المنكرة يوم «بدر» و أمثالها، كما قال «القرطبي» في تفسيره المعروف، و يمكن أن تكون الإشارة إليهما معا.
الملفت للنظر أنّ هذه الفئة الضالة في مقولتها هذه، وقعت في تناقض فاضح، فمن جهة تلقت النّبي و دعوته بالسخرية، إشارة إلى أن ادعاءه بلا أساس و لا
[١]- «هزوا» مصدر، و جاء هنا بمعنى المفعول، و هذا الاحتمال وارد أيضا و هو أن يكون مضافا مقدارا (محل هزو)، أيضا فالتعبير ب «هذا» للتحقير و لتصغير النّبي.
[٢]- كلمة (إن) في إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا مخففة، للتوكيد، و في تقدير «إنّه كاد» و ضميرها ضمير الشأن.