الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨١ - بحران متجاوران عذب فرات و ملح أجاج
المضلين و أعداء الحق من أكبر أنواع الجهاد.
و
روي عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».
و ربّما كان هذا الحديث إشارة إلى نفس هذا الجهاد و إلى عظمة ما يؤديه العلماء في التبليغ بالدين، هذا التعبير يجسد أيضا عظمة مقام القرآن، ذلك لأنّه وسيلة هذا الجهاد الكبير و سلاحه القاطع، فإنّ قدرته البيانية و استدلاله و تأثيره العميق و جاذبيته فوق تصور و قدرة البشر.
الوسيلة المؤثرة و الواضحة كوضوح الشمس و ضياء النهار، و المطمئنة كطمأنينة ستائر الليل، و المحركة كحركة الرياح الخلاقة، و العظيمة بعظمة الغيوم و فيما تبثه قطرات المطر من حياة، حيث أشارت إلى ذلك الآيات السابقة.
و بعد فاصلة وجيزة، يتناول القرآن الكريم مجددا الاستدلال على عظمة الخالق عن طريق بيان نعمه في النظام الكوني، فيشير بعد ذكر المطر في الآيات السابقة إلى عدم الاختلاط بين المياه العذبة و المالحة: وَ هُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَ هذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَ حِجْراً مَحْجُوراً.
«مرج» من مادة «المرج» (على وزن فلج) بمعنى الخلط أو الإرسال، و هنا بمعنى المجاورة بين الماء العذب و المالح.
«عذب» بمعنى سائغ و طيب و بارد، و «فرات» بمعنى لذيذ و هنيء.
«ملح» بمعى مالح، و «أجاج» بمعنى مرّ و حار. (بناء على هذا فملح و أجاج نقطتان مقابلتان لعذب و فرات).
«برزخ» بمعنى حجاب و حائل بين شيئين.
و جملة حِجْراً مَحْجُوراً كما أشرنا سابقا (ذيل الآية ٢٢ من هذه السورة) كانت جملة لاخذ الأمان بين العرب يقولونها عند ما يفاجؤون بشخص يخافونه و يرهبونه، يعني (أعف عنا، و آمنا، و ابتعد عنا).
على أية حال، فهذه الآية تصور واحدا من المظاهر المدهشة لقدرة الخالق