الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٥ - بلادكم في خطر
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ؟.
و الغريب في الأمر أن فرعون الذي قال هذا الكلام هو الذي كان يقول من قبل: أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ؟! و الآن حيث يرى عرشه متزعزعا ينسى مالكيته المطلقة لهذه الأرض، و يعدّها ملك الناس، فيقول لهم: أرضكم في خطر، إن موسى يريد أن يخرجكم من أرضكم، ففكروا في حيلة! ...
فرعون هذا لم يكن قبل ساعة مستعدا لأن يصغي لأحد، كان الآمر بلا منازع، أمّا الآن فهو في حرج شديد يقول لمن حوله: «ماذا تأمرون»؟! إنّها استشارة عاجزة و من موقف الضعف فحسب! ...
و يستفاد من الآية (١١٠) من سورة الأعراف أنّ اتباع فرعون و من حوله ائتمروا فيما بينهم و تشاوروا في الأمر، و كانوا في حالة من الاضطراب النفسي بحيث كان كلّ منهم يسأل الآخر قائلا: و أنت ما تقول؟ و ماذا تأمرون؟! أجل هذه سنّة الجبابرة في كل عصر و زمان ... فحين يسيطرون على الأوضاع يزعمون أن كل شيء لهم، و يعدون الجميع عبيدهم، و لا يفهمون شيئا سوى منطق الاستبداد. إلّا أنّهم حين تهتزّ عروشهم الظالمة و يرون حكوماتهم في خطر، ينزلون مؤقتا عن استبدادهم و يلجأون إلى الناس و يتحدثون باسم الناس، فالأرض أرض الشعب، و الحكومة تمثل الشعب و يحترمون آراء الشعب، و لكن حين يستقر الطوفان و يهدأ التيار، فإذا هم أصحاب الأمس و «عادت حليمة إلى عادتها القديمة».
و رأينا في عصرنا بقايا السلاطين القدامى كيف يحسبون أن الدولة ملكهم المطلق حين تقبل الدنيا عليهم، و يأمرون من يرفض إتباعهم بالخروج عن تلك البلاد قائلين له: اذهب في أرض اللّه العريضة الواسعة، ففي هذا البلد لا بدّ من تنفيذ ما نقول لا غير. و رأينا هذه الحالة عند ما بدأت هبّت رياح الثورة الإسلامية كيف