الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٧ - ٢- الآثار العميقة لنزول القرآن التدريجي
٢- الآثار العميقة لنزول القرآن التدريجي
صحيح أنّه كان للقرآن نزولان، طبقا للرّوايات (بل لظاهر بعض الآيات):
أحدهما: «نزول دفعي» مرّة واحدة في ليلة القدر على قلب النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و الآخر:
«نزول تدريجي» في ثلاث و عشرين سنة، لكن بلا شك أن النّزول المعترف به الذي كان النّبي و الناس يتفاعلون معه دائما هو النّزول التدريجي للقرآن.
و هذا النّزول التدريجي بالذات صار سببا لاستفهامات الأعداء: لماذا لم ينزل القرآن مرّة واحدة و يجعل دفعة واحدة بين أيدي الناس، حتى يكونوا أكثر اطلاعا و تفهما، فلا يبقى مكان للشك و الريبة؟
و لكن- كما رأينا- فإنّ القرآن أجابهم جوابا قصيرا و جامعا و بليغا من خلال جملة كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ، فكلما تأملنا فيها أكثر تتجلى آثار النّزول التدريجي للقرآن أوضح.
١- لا شك أنّ التشريعات إذا كانت تتنزل بشكل تدريجي تبعا للحاجات، و يكون لكل مسألة شاهد و مصداق عينيّ، فستكون مؤثرة جدّا من ناحية «تلقي الوحي» و كذلك «إبلاغ الناس».
مبادئ التربية تؤكّد أنّ الشخص أو الأشخاص المراد تربيتهم ينبغي أن يؤخذ بأيديهم خطوة خطوة، فينظم لهم لكل يوم برنامج، و يسلكوا من المرحلة الأدنى التي شرعوا منها إلى المراحل الأعلى و البرامج التي تتدرج بهذه الكيفية تكون أكثر مقبولية و أعمق أثرا.
٢- إنّ هؤلاء المعترضين غافلون أساسا عن أنّ القرآن ليس كتابا عاديا يبحث في موضوع أو علم معين، بل هو منهج حياتي للأمة التي تغيرت به، و استلهمت منه في جميع أبعاد الحياة و لا تزال.
كثير من آيات القرآن نزلت في مناسبات تاريخية مثل معركة (بدر) و (أحد) و (الأحزاب) و (حنين)، و بذلك سنّت التشريعات و الاستنتاجات من هذه