الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١١ - مقارنة بين الجنة و النار
و أمّا لماذا يقال لهم هنا: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَ ادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً؟ ربّما كان ذلك لأنّ عذابهم الأليم ليس مؤقتا فينتهي بقول (وا ثبورا) واحدا، بل ينبغي أن يرددوا هذه الجملة طيلة هذه المدة، علاوة على أنّ العقوبات الإلهية لهؤلاء الظالمين المجرمين متعددة الألوان، حيث يرون الموت أمام أعينهم إزاء كل مجازاة، فتعلوا أصواتهم ب (وا ثبورا)، فكأنّهم يموتون ثمّ يحيون و هكذا.
ثمّ يوجه الخطاب إلى الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و يأمره أن يدعو أولئك إلى المقايسة، فيقول تعالى: قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَ مَصِيراً.
تلك الجنّة التي لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ.
تلك الجنّة التي سيبقون فيها أبدا خالِدِينَ.
أجل، إنّه وعد اللّه الذي اخذه على نفسه: كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا.
هذا السؤال، و طلب هذه المقايسة، ليس لأن أحدا لديه شك في هذا الأمر، و ليس لأن تلك العذابات الأليمة المهولة تستحق الموازنة و المقايسة مع هذه النعم التي لا نظير لها، بل إن هذا النوع من الأسئلة و المطالبة بالمقارنة لأجل إيقاظ الضمائر الهامدة، حيث تجعلها أمام أمر بديهي واحد، و على مفترق طريقين:
فإذا قالوا في الجواب: إنّ تلك النعم أفضل و أعظم (و هو ما سيقولونه حتما) فقد حكموا على أنفسهم بأنّ أعمالهم خلاف ذلك. و إذا قالوا: إنّ العذاب أفضل من هذه النعمة، فقد وقّعوا على وثيقة جنونهم، و هذا يشبه ما إذا حذرنا شابا ترك المدرسة و الجامعة بقولنا: اعلم أنّ السجن هو مكان الذين فروا من العلم و وقعوا في أحضان الفساد، ترى السجن أفضل أم الوصول إلى المقامات الرفيعة!؟