الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٥ - مواجهة فرعون مواجهة منطقية و قاطعة
ثمّ يضيف موسى قائلا: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ! و هناك اختلاف بين كلمات المفسّرين في المراد من «الحكم» في هذه الآية، أهو مقام النبوة، أم مقام العلم، أم سواهما؟! لكن مع ملاحظة ذيل الآية نفسها المذكور فيها مقام الرسالة بإزاء الحكم يتّضح أنّه غير الرسالة و النبوّة! و الشاهد الآخر على هذا الموضوع الآية (٧٩) من سورة آل عمران إذ قال:
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ....
إن كلمة «الحكم» تعني في اللغة: المنع من أجل الإصلاح، هذا هو الأصل في ما وضعت له، و لذا سمّوا لجام الحيوان «حكمة» على وزن (صدقة) ثمّ أطلقت هذه الكلمة على ما يطابق الحكمة، و من هنا سمي العقل و العلم حكما أيضا لهذا التناسب، و قد يقال: إنّه يستفاد من الآية (١٤) من سورة القصص أن موسى عليه السّلام كان قد بلغ مقام الحكم و العلم قبل هذه القضية إذ تقول: وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً.
فنجيب على ذلك أن للعلم و الحكمة مراحل مختلفة، فكان موسى عليه السّلام قد بلغ مرحلة منهما من قبل، و حين بلغ مقام النبوّة أدرك المرحلة الأكمل! ...
ثمّ يردّ موسى عليه السّلام على كلام فرعون الذي يمنّ به عليه في أنّه ربّاه و تعهده منذ طفولته و صباه، معترضا عليه بلحن قاطع فيقول: وَ تِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ.
صحيح أنّ يد الحوادث ساقتني- و أنا طفل رضيع- إلى قصرك، لأتربّى في كنفك، و كان في ذلك بيان لقدرة اللّه، لكن ترى كيف جئت إليك؟ و لم لا تربيت في أحضان والديّ و في بيتهما؟! ألم يكن ذلك لأنّك عبّدت بني إسرائيل و صفّدت أيديهم بنير الأسر! حتى