الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٩ - الاتهامات المتعددة الألوان
يكتبها.
و الأخرى: أنّه يعرف القراءة و الكتابة. فإذا قال: إنّني أمّي، فهي دعوى كاذبة.
إنّهم- في الواقع- كانوا يريدون أن يفرقوا الناس عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بواسطة هذه الأكاذيب و الاتهامات، في الوقت الذي يعلم كل العقلاء الذين عاشوا مدّة في ذلك المجتمع، أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكن قد درس عند أحد، مضافا إلى أنّه لم تكن له أية رابطة مع جماعة اليهود و أهل الكتاب. و إذا كان يستلهم من الآخرين كل يوم بكرة و عشيا، فكيف أمكن أن يخفى على أحد؟ فضلا عن هذا، فإن آيات القرآن كانت تنزل عليه في السفر و الحضر، بين الناس و منفردا، و في كل حال.
مضافا إلى كل هذا، كان القرآن مجموعة من التعليمات الاعتقادية، و الأحكام العملية، و القوانين، و مجموعة من قصص الأنبياء، و لم تكن قصص الأنبياء لتشكل كل القرآن، مضافا إلى أنّ ما ورد من قصص الأقوام الأولين في القرآن لم يكن له شبه لما جاء في العهدين (التوراة و الإنجيل) المحرفين، و أساطير العرب الخرافية، لذلك لأنّ ما في العهدين مليء بالخرافات، و القرآن منزّه عنها، و لو وضعنا القرآن و العهدين جنبا إلى جنب، و قايسنا بينهما، فسوف تتجلى حقيقة الأمر جيدا. [١] لذا فالآية الأخيرة تصرح بصيغة الرد على هذه الاتهامات الواهية، فتقول:
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ. إشارة إلى أن محتوى هذا الكتاب، و الأسرار، المتنوعة فيه من علوم و معارف و تاريخ الأقوام الأولين، و القوانين و الاحتياجات البشرية، و حتى أسرار عالم الطبيعة و الأخبار المستقبلية،
[١]- يعتقد جماعة من المفسّرين أنّ المراد من جملة (اكتتبها): هو أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أراد من الآخرين أن يكتبوا له هذه الآيات، و كذلك، جملة (تملى عليه) مفهومها: هو أنّ أولئك كانوا يلقونها إليه، و كان هو يحفظها. لكنّه مع الالتفات إلى أنّنا لا دليل لدينا على حمل هاتين الجملتين على خلاف الظاهر، يكون التّفسير الذي ورد في المتن هو الأصح، ففي الواقع إن أولئك كانوا يريدون أن يتهموا النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من هذا الطريق، بأنّه يقرأ و يكتب، لكنّه كان يظهر نفسه أميا عمدا.