الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٦ - نجاة نوح و غرق المشركين
- عامّة- و هو الرجم بالحجارة، الذي يعد واحدا من أسوأ أنواع القتل. [١] و لما رأى نوح أن دعوته المستمرة الطويلة بما فيها من منطق بيّن ... و بما يقترن بها من اصطبار، لم تؤثر إلّا في جماعة قلة آمنوا به ... شكا إلى ربّه أخيرا، و ضمن بيان حاله، سأل ربه أن ينجيّه من قبضة الظالمين، و أن يبعده عنهم ... إذ قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ.
و صحيح أن اللّه مطّلع على كل شيء، إلّا أنه لبيان الشكوى و تمهيدا للسؤال التالي، يذكر نوح مثل هذا الكلام.
و ممّا يلفت النظر أنّ نوحا لم يشتك من المصائب التي أبتلي بها، بل اشتكى من تكذيب قومه إيّاه فحسب، إذ لم يصدقوه و لم يقبلوا رسالته الالهية لهدايتهم ...
ثمّ يلتفت إلى ربّه فيقول: و الآن حيث لم يبق طريق لهداية هؤلاء القوم فاقض بيننا و افصل بيني و بينهم: فَافْتَحْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَتْحاً.
«الفتح» معناه واضح، و هو ما يقابل الغلق و يضاده، و له استعمالان ... فتارة يستعمل في القضايا المادية كفتح الباب مثلا، و تارة يستعمل في القضايا المعنوية كفتح الهمّ و رفع الغم، و كفتح المستغلق من العلوم، و فتح القضية، اي بيان الحكم حسم النزاع! ثمّ يضيف فيقول: وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
و هنا يعبر القرآن عن إدراك رحمة اللّه نوحا، و إهلاك المكذبين بعاقبة وخيمة مفجعة، إذ يقول: فَأَنْجَيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ اي المليء بالناس و انواع الحيوانات ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ ...
«المشحون» مأخوذ من مادة (شحن) على وزن (صحن) و معناه الملء، و قد
[١]- «الرجم» مأخوذ من (رجام) على وزن (كتاب) و هو جمع (رجمة) على وزن (لقمة) و معناها القطعة من الحجر التي توضع على القبر، أو ما يطوف حوله عبدة الأوثان، كما يعني الرجم القذف بالحجارة حتى القتل، كما يأتي أحيانا بمعنى القتل بأيّ شكل كان، لأن القتل كان بالحجر سابقا.