الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٥ - الزوجية في النباتات
الحقيقة يوما بعد يوم.
و تأتي الآية التالية لتقول مؤكّدة بصراحة: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً.
أجل إن الالتفات إلى هذه الحقيقة، و هي أن هذا التراب الذي لا قيمة له ظاهرا، بما فيه من تركيب معين هو مبدأ ظهور أنواع الأزهار الجميلة، و الأشجار المثمرة الظليلة، و الفواكه ذات الألوان الزاهية، و ما فيها من خواص مختلفة. و هو- أي التراب- يبيّن منتهى قدرة اللّه، إلّا أن أولئك الذين طبع على قلوبهم في غفلة و جهل إلى درجة يرون معها آيات اللّه بأعينهم، و مع ذلك يجحدونها و يكفرون بها، و يترسخ في قلوبهم العناد و الجدل! لذلك فإنّ الآية هذه تعقّب قائلة: وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ.
أي إنّ عدم الإيمان لدى أولئك أمسى كالصفة الراسخة فيهم، فلا عجب أن لا ينتفعوا من هذه الآيات، لأنّ قابليّة المحل من شرائط التأثير الأصيلة أيضا كما نقرأ قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. [١] و في آخر آية من الآيات محل البحث يرد الخطاب في تعبير يدلّ على التهديد و الترهيب و التشويق و الترغيب، فيقول سبحانه: وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ...
«العزيز» معناه المقتدر الذي لا يغلب و لا يقهر، فهو قادر على إظهار الآيات العظمى، كما أنه قادر على إهلاك المكذبين و تدميرهم .. إلّا أنّه مع كل ذلك رحيم، و رحمته وسعت كل شيء، و يكفي الرجوع بإخلاص إليه في لحظة قصيرة! لتشمل رحمته من أناب إليه و تاب، فيعفو عنه بلطفه و رحمته! و لعل تقديم كلمة «العزيز» على «الرحيم» لأنّه لو تقدمت كلمة الرحيم على العزيز لأشعرت الإحساس بالضعف، إلّا أنّه قدم سبحانه الوصف بالعزيز ليعلم أنّه و هو في منتهى قدرته ذو رحمة واسعة!
[١]- البقرة، الآية ٢.