الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٨ - البروج السماوية
هو ذلك الاسم الممتلئ جاذبية «الرحمن» مع مفهوم رحمته العامّة الواسعة، لكن أولئك بسبب عمى قلوبهم و لجاجتهم، لم يظهروا تأثرا حيال هذه الدعوة، بل تلقوها بالسخرية و الاستهزاء، و قالوا على سبيل التحقير: وَ مَا الرَّحْمنُ كما قال فرعون حيال دعوة موسى عليه السّلام: وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ. [١] فهؤلاء لم يكونوا على استعداد حتى ليقولوا: «و من الرحمن» أو «من ربّ العالمين».
و رغم أن بعض المفسّرين يرى أن اسم «الرحمن» لم يكن مأنوسا بين عرب الجاهلية، و حينما سمعوا هذا الوصف من النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم طرحوا هذا السؤال على سبيل التعجب واقعا، حتى كان يقول البعض منهم: «ما نعرف الرحمن إلّا رجلا باليمامة» (يعنون به مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوّة كذبا، و عرفه و قومه بهذا الاسم «الرحمن»).
لكن هذا القول بعيد جدّا، لأنّ مادة هذا الاسم و صيغته كلاهما عربيان، و كان النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يتلو- دائما- في بداية السور القرآنية، الآية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و على هذا فلم يكن هدف أولئك إلّا التحجج و السخرية، و العبارة التالية شاهد على هذه الحقيقة أيضا لأنهم يقولون: أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا.
و بما أن تعاليم القادة الإلهيين تؤثر في القلوب المؤهلة فقط، فإنّ عمي القلوب من المعاندين مضافا الى عدم انتفاعهم بها، فإنّها تزيدهم نفورا لأنّ آيات القرآن كقطرات المطر الباعثة على الحياة تنمي الورد و الخضرة في البستان، و الشوك في الأرض السبخة، و لذا لا مجال للتعجب حيث يقول: وَ زادَهُمْ نُفُوراً. [٢]
[١]- سورة الشعراء، الآية ٢٣.
[٢]- على هذا فإنّ فاعل (زاد) هو ذلك الأمر بالسجود الذي ترك أثرا معكوسا في أولئك المرضى قلوبهم، و إن نقل بعض المفسّرين أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سجد بعد هذا الكلام و سجد المؤمنون أيضا، فسبّب هذا ابتعاد أولئك أكثر، بناء على هذا ففاعل (زاد) السجدة، لكن المعنى الأوّل أكثر صحّة.