الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٩ - البروج السماوية
الآية التالية إجابة على سؤالهم حيث كانوا يقولون: «و ما الرحمن»، و إن كانوا يقولون هذا على سبيل السخرية، لكن القرآن يجيبهم إجابة جادة، يقول تعالى:
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً.
«البروج» جمع «برج» في الأصل بمعنى «الظهور» و لذا يسمون ذلك القسم الأعلى و الأظهر من جدار أطراف المدينة أو محل تجمع الفرقة العسكرية «برج»، و لهذا أيضا يقال حينما تظهر المرأة زينتها «تبرجت المرأة»، و هذه الكلمة تطلق أيضا على القصور العالية.
على أية حال، فالبروج السماوية، إشارة إلى الصور الفلكية الخاصّة حيث تستقر الشمس و القمر في كل فصل و كل موضع من السنة إزاء واحد منها، يقولون مثلا: استقرت الشمس في برج «الحمل» يعني أنّها تكون بمحاذاة «الصورة الفلكية»، «الحمل»، أو القمر في «العقرب» يعني وقفت كرة القمر أمام الصورة الفلكية «العقرب» (تطلق الصورة الفلكية على مجموعة من النجوم لها شكل خاص في نظر المشاهد).
بهذا الترتيب، أشارت الآية إلى منازل الشمس و القمر السماوية، و تضيف على أثر ذلك: وَ جَعَلَ فِيها سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً [١].
تبيّن هذه الآية النظم الدقيق لسير الشمس و القمر في السماء (و بديهي أن هذه التغييرات في الحقيقة ترتبط بدوران الأرض حول الشمس دائما). و النظام الفذ الدقيق الذي يحكمهما ملايين السنين بلا زيادة أو نقصان، بالشكل الذي يستطيع الفلكيون- أحيانا- أن يتنبئوا. قبل مئات السنين بوضع حركة الشمس و القمر في يوم معين و ساعة معينة بالنسبة إلى مئات السنين الآتية، هذا النظام الحاكم على هذه الأفلاك السماوية العظيمة شاهد ناطق على وجود الخالق المدبر
[١]- طبقا للتفسير أعلاه، فإنّ ضمير «فيها» يرجع إلى البروج، و ينبغي أن يكون هكذا، ذلك لأنّ الموضوع المهم هو دوران الشمس و القمر ضمن نظام خاص في البروج: و ليس وجود البروج في السماء فقط.