الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢١ - جنايات عاد و اعمالهم العدوانية
فقال: ما هذه؟ فقالوا له أصحابه: هذا الرجل من الأنصار فمكث حتى إذا جاء صاحبها فسلم في الناس أعرض عنه و صنع ذلك مرارا حتى عرف الرجل الغضب به و بالاعراض عنه، فشكى ذلك إلى أصحابه و قال: و اللّه إليّ لأنكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما أدرى ما حدث فيّ و ما صنعت؟
قالوا: خرج رسول اللّه فرأى قبّتك فقال: لمن هذه؟ فأخبرناه، فرجع الى قبّته فسواها بالأرض، فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذات يوم فلم ير القبة فقال: ما فعلت القبة التي كانت ها هنا قالوا: شكى إلينا صاحبها انحراصل عنه فأخبرناه فهدمها فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إن كلّ ما يبنى و بال على صاحبه يوم القيامة، إلّا ما لا بدّ منه». [١]
و يعرف من هذه الرّواية و ما شابهها من الرّوايات نظر الإسلام بجلاء، فكل بناء «طاغوتي» مشيد بالإسراف و البذخ و مستوجب للغفلة ... يمقته الإسلام، و يكره للمسلمين أن يبنوا مثل هذه الأبنية التي يبنيها المستكبرون المغرورون الغافلون عن اللّه، و لا سيما في محيط يسكن فيه المحرومون و المستضعفون ...
إلّا أن ما ينبغي التنويه به، أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يستعمل القوة للوصول إلى هذا الهدف الإنساني أبدا، و لم يأمر بتخريب البناء، بل استطاع أن يحقق هدفه برد فعل لطيف كالإعراض و عدم الاهتمام بالبناء مثلا! ...
ثمّ ينتقد النّبي «هود» قومه على قسوتهم و بطشهم عند النزاع و الجدال فيقول:
وَ إِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ.
فمن الممكن أن يعمل الإنسان عملا يستوجب العقوبة، إلّا أنّه لا يصح تجاوز الحد و الانحراف عن جادة الحق و العدل عند محاسبته و معاقبته، و أن يعامل ذو الجرم الصغير معاملة ذي الجرم الكبير ... و أن تسفك الدماء عند الغضب و يقع التماصع بالسيف [٢]، فذلك ما كان يلجأ إليه الجبابرة و الظلمة و الطغاة آنئذ ...
[١]- مجمع البيان: ذيل الآية محل البحث، نور الثقلين، ج ٤، ص ٦٣.
[٢]- التماصع، التطاحن و القتال. (المصحح).