الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٣ - عناد قوم صالح و لجاجتهم
إنسانا مثله فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ لكي نؤمن بك و نتبعك.
كلمة (المسحّر) مشتقّة من (السحر) و معناها المسحور، أي المصاب بالسحر، إذ كانوا يعتقدون أن السحرة كانوا عن طريق السحر يعطلون عمل العقل، و هذا القول لم يتّهم به النبيّ صالحا فحسب، بل اتهم به كثير من الأنبياء، حتى أن المشركين اتّهموا نبيّنا محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم به فقالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [١].
أجل، إنّهم كانوا يرون معيار العقل أن يكون الإنسان متوقفا مع البيئة و المحيط، فيأكل الخبز- مثلا- بسعر يومه، و يطبّق نفسه على جميع المفاسد ... فلو أن رجلا مصلحا إلهيّا دعا الناس للقيام و النهوض بوجه العقائد الفاسدة و إصلاحها، عدوّه- بحسب منطقهم- مجنونا «مسحّرا».
و هناك احتمالات أخر في معنى «المسحّرين»، صرفنا النظر عنها لعدم مناسبتها ...
و على كل حال فإنّ هؤلاء المعاندين من قوم صالح، طلبوا منه معجزة لا من أجل معرفة الحق، بل تذرعا بالحجة الواهية، و على نبيّهم أن يتم الحجة عليهم، فاستجاب لهم- و بأمر اللّه- قال: هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.
و «الناقة» معروفة عند العرب، و هي أنثى الجمل، و القرآن لم يذكر خصائص هذه الناقة التي كان لها حالة إعجازية، إلّا أنه ذكرها بنحو الإجمال ... لكننا نعرف أنّها لم تكن ناقة كسائر النياق الطبيعية، فكما يقول جماعة من المفسّرين: كانت هذه الناقة بحالة من الإعجاز بحيث خرجت من قلب الجبل. و من خصائصها أنّها كانت تشرب ماء الحيّ في يوم، و اليوم الآخر لأهل الحي «أو القرية» و هكذا دواليك ... كما أشارت الآية آنفة الذكر إلى هذا المعنى، و وردت الإشارة إلى هذا المعنى في الآية (٢٨) من سورة القمر أيضا.
[١]- سورة الفرقان، الآية ٨.