الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٨ - جانب آخر من الخلق العجيب
ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً و بعد أن تتراكم السحب ترى قطرات المطر تخرج من بين السحاب و تهبط على الجبال و السهول و الصحاري فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ.
و كلمة «يزجي» مشتقّة من «الإزجاء»، أي سوقه بأسلوب لين لترتيب المخلوقات المتبعثرة هنا و هناك بقصد جمعها.
و هذا التعبير يصدق بالنسبة للسحب، حيث ترتفع كلّ قطعة منه من جانب من البحر. ثمّ تسوقها يد القدرة الإلهية. و تجمعها، فتراكم بعضها على بعض.
و كلمة «ركام» على وزن «غلام»، بمعنى الأشياء المتراكمة بعضها فوق بعض.
و أمّا «الودق» على وزن «شرق»، فيرى الكثيرون أنّها حبّات المطر، إلّا أنّ الراغب الأصفهاني يرى في مفرداته أنّها ذرات دقيقة من الماء، أي: الرذاذ الذي يتناثر في الفضاء حين هطول المطر.
و المعنى الأوّل أكثر ملاءمة هنا، فما يدلّ بشكل أكبر على عظمة اللّه هو ذرات المطر نفسها و ليس رذاذه، إضافة إلى أنّ القرآن كلّما ذكر السحاب و نزول بركات اللّه من السماء، أشار فيها إلى المطر. فهو الذي يحيي الأرض بعد موتها و يبعث الحياة في الأشجار و النباتات، و يروي عطش البشر و الحيوان.
و أشار القرآن إلى ظاهرة أخرى من ظواهر السماء المدهشة، و هي السحاب، حيث قال: وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ أي من جبال السحب في السماء تنزل قطرات المطر على شكل ثلج و برد، فتكون بلاء لمن يريد اللّه عذابه فتصيب هذه الثلوج المزارع و الثمار و تتلفها و قد تصيب الناس و الحيوانات فتؤذيهم فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ و من لم يرد تعذيبه دفع عنه هذا البلاء وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ.
أجل، إنّه هو الذي ينزّل الغيث المخصب من سحابة تارة ... و هو الذي يصيّره بردا بأدنى تغيير بأمره فيصيب به (بالأذى) من يشاء، و ربما يكون مهلكا أحيانا.