الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٢ - جنايات عاد و اعمالهم العدوانية
و يرى الراغب في المفردات أن «البطش» على زنة (نقش) هو أخذ الشيء بقوّة و قسّوة و استعلاء ...
و في الحقيقة أن هودا يوبخ عبدة الدنيا عن طرق ثلاثة:
الأوّل: علاماتهم التي كانت مظهرا لحبّ الاستعلاء و حب الذات، و التي كانت تبنى على المرتفعات العالية ليفخروا بها على سواهم.
ثمّ يوبخهم على مصانعهم و قصورهم المحكمة، التي تجرهم إلى الغفلة عن اللّه، و إن الدنيا دار ممر لا مقر.
و أخيرا فإنّه ينتقدهم في تجاوزهم الحدّ و البطش عند الانتقام ...
و القدر الجامع بين هذه الأمور الثلاثة هو الإحساس بالاستعلاء و حبّ البقاء. و يدلّ هذا الأمر على أن عشق الدنيا كان قد همين عليهم، و أغفلهم عن ذكر اللّه حتى ادعو الألوهية ... فهم بأعمالهم هذه يؤكّدون هذه الحقيقة، و هي أن
«حب الدنيا رأس كل خطيئة». [١]
و القسم الثّالث من حديث هود ممّا بيّنه لقومه، هو ذكر نعم اللّه على عباده ليحرك فيهم- عن هذا الطريق- الإحساس بالشكر لعلهم يرجعون نحو اللّه ...
و في هذا الصدد يتبع النّبي هود أسلوبي الإجمال و التفصيل، و هما مؤثران في كثير من الأبحاث، فيلتفت نحوهم أولا فيقول: وَ اتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. [٢] و بعد هذا التعبير المجمل يذكر تفصيل نعم اللّه عليهم، فيقول: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ ...
فمن جهة وفّر لكم الأمور المادية، و كان القسم المهم منها- خاصّة في ذلك
[١]- تفسير الفخر الرازي ذيل الآية محل البحث.
[٢]- (أمدّ) مأخوذ من «الإمداد»، و يطلق في الأصل على أمور توضع بعضها بعد بعض بشكل منظم، و حيث أن اللّه يرسل نعمه بشكل منظم إلى عباده استعملت هذه الكلمة هنا أيضا ...