الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٨ - الاتهام بالجنون و التهديد بالسجن
إلّا أنّ موسى- على كل حال- لم يجد بدا كسائر الباحثين الواعين اليقظين، أن يجيب على فرعون بجدّ ... و حيث أن ذات اللّه سبحانه بعيدة عن متناول أفكار الناس، فإنّه أخذ يحدثه عن آيات اللّه في الآفاق و آثاره الحيّة إذ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ.
فالسماوات بما فيهن من عظمة، و الأرض على سعتها ... و الموجودات المتعددة بألوانها بحيث لا تساوي أنت و قصرك بإزائها إلّا ذرّة في مقابل المجرّة! كلّها من خلق ربّي، فمثل هذا الخالق المدبّر لهذا العالم جدير بالعبادة، لا الموجود الضعيف التافه مثلك! ...
و ينبغي الالتفات إلى أن عبدة الأوثان كانوا يعتقدون أنّ لكلّ موجود في هذا العالم ربّا، و كانوا يعدّون العالم تركيبا من نظم متفرقة، إلّا أن كلام موسى عليه السّلام يشير إلى أن هذا النظام الواحد المتحكم على هذه المجموعة في عالم الوجود دليل على أن له ربّا واحدا ...
و جملة إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ لعلها إشارة إلى أنّ موسى عليه السّلام يريد أن يفهم فرعون و من حوله- و لو تلويحا- أنه يعرف أن الهدف من هذا السؤال ليس إدراك الحقيقة ... لأنّه لو أراد إدراك الحقيقة و البحث عنها لكان استدلاله كافيا ... فكأنّه يقول لهم: افتحوا أعينكم قليلا و تفكروا ساعة في السماوات و الأرض بما فيهما من الآثار و عجائب المخلوقات ... لتطلعوا على معالمها و تصححوا نظرتكم نحو الكون! إلّا أن فرعون لم يتيقظ من نومة الغافلين بهذا البيان المتين المحكم لهذا المعلم الكبير الرّباني السماوي ... فعاد لمواصلة الاستهزاء و السخرية، و اتبع طريقة المستكبرين القديمة بغرور، و قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ.
و معلوم من هم الذين حول فرعون؟ فهم أشخاص من نسيجه و جماعة من أصحاب القوّة و الظلم و القهر و المال.