الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٢ - بحران متجاوران عذب فرات و ملح أجاج
في عالم مخلوقاته، و كيف يستقر حجاب غير مرئي، و حائل خفي بين البحر المالح و البحر العذب، فلا يسمح لهما بالاختلاط.
و قد اتّضح اليوم أنّ هذا الحجاب اللامرئي، هو ذلك «التفاوت بين كثافة المالح و العذب» و في الاصطلاح «تفاوت الوزن النوعي» لهما، حيث يكون سببا في عدم امتزاجهما إلى مدة طويلة.
و رغم أنّ جماعة من المفسّرين وقعوا في تعب من أجل اكتشاف مثل هذين البحرين في الكرة الأرضية و أين يوجد بحر عذب الماء في جوار بحر مالح الماء و لا يمتزجان!؟ لكن هذه المشكلة انحلت لنا، لأنّنا نعلم أن جميع أنهار الماء، العذب العظيمة التي تصب في البحار عند الساحل، تشكل بحرا من الماء العذب، فتدفع المياه المالحة إلى الخلف، و يستمر هذا الوضع إلى مدّة طويلة، و بسبب التفاوت في كثافتهما يمتنعان عن الامتزاج مع بعضهما، فكل واحد منهما يقول للآخر: حِجْراً مَحْجُوراً.
الملفت هو أنّ سطح البحر يرتفع و ينخفض بمقدار كبير بسبب المد و الجزر اللذين يحصلان مرّتين في اليوم بتأثير جاذبية القمر و بذلك تغمر المياه العذبة التي شكلت بحرا اليابسة في مصبات تلك الأنهار و أطرافها، و قد استفاد الناس من هذه الحالة منذ قديم الزمان، فحفروا جداول كثيرة في أطراف ملتقى الأنهار مع البحر، و زرعوا أراض شاسعة بالأشجار، حيث تتمّ سقايتها بنفس ذلك الماء العذب الذي ينتشر في مناطق واسعة بواسطة المد و الجزر.
توجد حتى الآن في جنوب العراق و إيران ملايين من أشجار النخيل، و قد شاهدنا عن قرب أنّ قسما منها يسقى فقط بهذه الوسيلة، و يقع على بعد كبير من ساحل البحر، و أحيانا يتغلب الماء المالح حيث تقل المياه التي تصبها الأنهار الكبيرة في البحر في السنين المجدية، فيقلق المزارعون من أهل هذه المنطقة، لأنّ ذلك يضرّ بزراعتهم ضررا بالغا.