الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٠ - بحران متجاوران عذب فرات و ملح أجاج
و النبوّة على قلب نبيّ في كل قرية، و أن يبعث لكل أمة نذيرا، لكن اللّه يختار لعباده ما هو أصلح، لأنّ تمركز النبوّة في وجود فرد واحد يكون باعثا على وحدة و انسجام الناس، و مانعا من كل فرقة و تشتت.
و يحتمل أن بعض المشركين أوردوا هذا الاشكال و هو: ألم يكن من الأفضل أن يبعث اللّه نبيّا في كل مدينة و قرية؟! لكن القرآن يقول في ردّهم: لو أراد اللّه ذلك لفعل، لكن هذا التشتت ليس في صالح الأمم و الشعوب قطعا.
و على أية حال، فكما أن هذه الآية دليل على عظمة مقام النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فهي دليل كذلك على وجوب وحدة القائد، و على ثقل عبء مسئوليته.
و بنفس هذا الدليل، يبيّن اللّه تبارك و تعالى في الآية التالية، أمرين إلهيين مهمين يشكلان منهجين أساسيين للأنبياء، فيوجه الخطاب أوّلا إلى الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يقول: فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ.
لا تخط أية خطوة على طريق التوافق مع انحرافاتهم، فإنّ التوافق مع المنحرفين آفة الدعوة إلى اللّه، قف أمامهم بقوّة، واسع إلى إصلاحهم، لكن كن حذرا و لا تتسلم لأهوائهم و خرافاتهم.
أمّا القانون الثّاني فهو: جاهد أولئك بالقرآن: وَ جاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً.
جهادا كبيرا بعظمة رسالتك، و بعظمة جهاد كل الأنبياء الماضين، الجهاد الذي يشمل جميع الأبعاد الروحية و الفكرية للناس، و يشمل كل الأصعدة المادية و المعنوية.
لا شك أن المقصود من الجهاد في هذا الموضع هو الجهاد الفكري و الثقافي و التبليغي و ليس الجهاد المسلح، ذلك لأنّ هذه السورة مكية، و الأمر بالجهاد المسلح لم يكن قد نزل في مكّة. و على قول العلامة «الطبرسي» في مجمع البيان، أن هذه الآية دليل واضح على أنّ الجهاد الفكري و التبليغي في مواجهة وساوس