الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٤ - بلادكم في خطر
و الثلاثون من سورة القصص، فقد عبرت عنها ب «جان» «ما تجنّه [١] الأرض و ما يمشي عليها من الأفاعي الصغار بسرعة و قفز». أمّا الآية العشرون من سورة طه فقد عبّرت عنها بأنّها «حية» «المشتقّة من الحياة».
و هذا التفاوت أو الاختلاف في التعابير مثير للسؤال في بدو النظر، إلّا أنّ الاختلاف أو التفاوت إنّما هو لبيان واحد من أمرين:
١- لعله إشارة إلى حالات ذلك الثعبان المتباينة، ففي البداية تبدلت العصا إلى جانّ أو حية صغيرة، ثمّ بدأت تكبر حتى صارت ثعبانا مبينا! ...
٢- أو أنّ هذه الألفاظ الثلاثة «الثعبان، و الجان، و الحية» كلّ منها يرمز إلى بعض الخصائص الموجودة في تلك العصا المتبدلة إلى حالة جديدة! فالثعبان إشارة إلى عظمتها، و الجان إشارة إلى سرعتها، و الحية إشارة إلى حياتها! غير أن فرعون اضطرب لهذا المشهد المهول و غرق في وحشة عميقة و لكي يحافظ على قدرته الشيطانية التي أحدق بها الخطر بظهور موسى عليه السّلام، و كذلك من أجل أن يرفع من معنويات أصحابه و الملأ من حوله في توجيه معاجز موسى و لفت نظرهم عنها، فقد قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ.
ذلك الإنسان الذي كان يدعوه مجنونا إلى لحظات آنفة، و إذا هو الآن يعبر عنه بالعليم، و هكذا هي طريقة الجبابرة و أسلوبهم، حيث تتبدل كلماتهم في مجلس واحد عدّة مرّات، و يحاولون التشبث بأي شيء للوصول إلى هدفهم.
و كان فرعون يعتقد أن اتهام موسى بالسحر ألصق به و أكثر قبولا عند السامعين، لأنّ ذلك العصر كان عصر السحر، فإذا أظهر موسى عليه السّلام معاجزه فمن اليسير توجيهها بالسحر.
و من أجل أن يعبّئ الملأ و يثير حفيظتهم ضد موسى عليه السّلام، قال لهم:
[١]- جن يجن «من الأضداد في اللغة» و الضد في الألفاظ ما يحمل معنيين متضادين، مثل الجون يطلق على الأسود و الأبيض، و جن بمعنى ستره و أظهره.