الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٧ - بداية رسالة موسى
و هذه البحوث و إن تكررت- بحسب الظاهر- إلّا أن الإمعان أو التدقيق فيها يكشف عن أن كلّ بحث منها يتناول جانبا خاصّا من هذه القصّة ذات المحتوى العزيز، و يعوّل على هدف معين! ...
مثلا .. حين نزلت الآيات- محل البحث- كان المسلمون قلّة ضعافا و كان أعداؤهم كثرة أولي قوّة و بأس شديد، بحيث لا يمكن الموازنة بين الفرقتين، فكان ينبغي أن يبيّن اللّه قصص الأمم السابقة المشابهة لحال هؤلاء، ليعلم المسلمون أن هذه القوّة التي يمتلكها الأعداء و هذا الضعف الظاهري الذي يكتنف المسلمين لن يؤدي أيّ منهما بنفسه إلى اندحار المسلمين، و لتزداد معنويات المسلمين و تثبّت استقامتهم و مقاومتهم ...
و ممّا يلفت النظر تكرار عبارة: وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ بعد تمام الحديث عن كل نبي ... و هو التعبير ذاته الوارد في بداية هذه السورة في شأن النّبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم .. و هذا الاتساق في التعبير شاهد حيّ على أن ذكر هذه الجوانب من قصص الأنبياء إنّما هو للظروف المتشابهة التي اكتنفت المسلمين من حيث الحالة النفسية و الاجتماعية كما كان عليها الأنبياء السابقون ...
فتقول الآيتان الأوليان من الآيات محل البحث وَ إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ. و يتركون ظلمهم و فسادهم و عنادهم للحق.
و ينبغي الالتفات إلى أنّ الصفة الوحيدة المذكورة عن قوم فرعون هنا هي الظلم، و من الواضح أن الظلم له معنى جامع واسع و من مصاديقه الشرك كما تقول الآية (١٣) من سورة لقمان إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ...
كما أنّ استعباد بني إسرائيل و استثمارهم و ما قارنهما من زجر و تعذيب من المصاديق الأخرى أيضا، ثمّ بعد هذا كله فإن قوم فرعون ظلموا أنفسهم بأعمالهم المخالفة، و هكذا يمكن تلخيص أهداف دعوة الأنبياء جميعهم بمبارزة الظلم