الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٩ - مقارنة بين الجنة و النار
الأولان منه في الآيات السابقة، و نقرأ الآن القسم الثالث:
يقول تعالى أوّلا: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ.
و بما أنّ كلمة «بل» تستعمل لأجل «الإضراب» فيكون المعنى: أن ما يقوله أولئك الكفار على صعيد نفي التوحيد و النبوة، إنّما ينبع في الحقيقة من إنكارهم المعاد، ذلك أنه إذا آمن الإنسان بهكذا محكمة عظمى و بالجزاء الإلهي، فلن يتلقى الحقائق بمثل هذا الاستهزاء و اللامبالاة، و لن يتذرع بالحجج الواهية ضد دعوة النّبي و براهينه الظاهرة، و لن يتذلل أمام الأصنام التي صنعها و زيّنها بيده.
لكن القرآن هنا لم يتقدم برد استدلالي، ذلك لأن هذه الفئة لم تكن من أهل الاستدلال و المنطق، بل واجههم بتهديد مخيف و جسد أمام أعينهم مستقبلهم المشؤوم و الأليم، فهذا الأسلوب قد يكون أقوى تأثيرا لمثل هؤلاء الأفراد يقول أوّلا: وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً. [١] ثمّ وصف هذه النار المحرقة وصفا عجيبا، فيقول تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً.
في هذه الآية، تعبيرات بليغة متعددة، تخبر عن شدّة هذا العذاب الإلهي:
١- إنّه لا يقول: إنّهم يرون نار جهنم من بعيد، بل يقول: إن النار هي التي تراهم- كأن لها عينا و أذنا- فسمّرت عينها على الطريق بانتظار هؤلاء المجرمين.
٢- إنّها لا تحتاج إلى أن يقترب أولئك المجرمون منها، حتى تهيج، بل إنّها تزفر من مسافة بعيدة .. من مسافة مسيرة عام، طبقا لبعض الروايات.
٣- وصفت هذه النار المحرقة ب «التغيظ» و ذلك عبارة عن الحالة التي يعبّر بها الإنسان عن غضبه بالصراخ و العويل.
٤- إن لجهنم «زفيرا» يعني كما ينفث الإنسان النفس من الصدر بقوة، و هذا
[١]- «سعير» من «سعر» على وزن «قعر» بمعنى التهاب النار، و على هذا يقال للسعير: النار المشتعلة و المحيطة و المحرقة.