الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٢ - أضلّ من الأنعام
يستحق أن يؤخذ مأخذ الجد، و من جهة أخرى أنّه لو لا تمسكهم بمذهب أجدادهم، فمن الممكن أن- يؤثر عليهم كلام النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يضلّهم عن ذلك المذهب، و هذا يدل على أنّهم كانوا يعتبرون كلامه قويا و جديا و مؤثرا و محسوبا، و هذا المنطق المضطرب ليس غريبا عن هؤلاء الأفراد الحيارى اللجوجين.
و كثيرا ما يرى أنّ منكري الحق حينما يقفون قبالة الأمواج المتلاطمة لمنطق القادة الإلهيين، فإنّهم يختارون أسلوب الاستهزاء تكتيكا من أجل توهينه و دفعه، في حين أنّهم يخالفون سلوكهم هذا في الباطن، بل قد يأخذوه بجدية أحيانا و يقفون ضده بجميع امكاناتهم.
الجواب القرآني الثّاني على مقولاتهم ورد في الآية التي بعدها، موجها الخطاب إلى النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على سبيل المواساة و تسلية الخاطر، و أيضا على سبيل بيان الدليل على أصل عدم قبول دعوة النّبي من قبل أولئك، فيقول: أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ فهل أنت قادر مع هذا الحال على هدايته و الدفاع عنه أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا.
يعني إذا وقف أولئك أمام دعوتك بالاستهزاء و الإنكار و أنواع المخالفات، فلم يكن ذلك لأن منطقك ضعيف و دلائلك غير مقنعة، و في دينك شك أو ريبة، بل لأنّهم ليسوا أتباع العقل و المنطق، فمعبودهم أهواؤهم النفسية، ترى أ تنتظر أن يطيعك هكذا أشخاص، أو تستطيع أن تؤثر فيهم!؟
أقوال مختلفة للمفسرين الكبار في معنى جملة: أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ:
قال جماعة- كما قلنا آنفا-: إنّ المقصود أنّ لهم صنما، ذلك هو هواهم النفسي، و كل أعمالهم تصدر من ذلك المنبع.
في حين أنّ جماعة أخرى ترى أنّ المراد هو أنّهم لا يراعون المنطق بأي شكل في اختيارهم الأصنام، بل إنّهم متى ما كانت تقع أعينهم على قطعة حجر، أو شجرة جذابة، أو شيء آخر يثير هواهم، فإنّهم يتوهمونه «معبودا»، فكانوا يجثون