الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٣ - نور الإيمان في قلوب السحرة
آخر فإنّهم قالوا: رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ.
و هذا التعبير يدلّ على أنّه و إن كان موسى عليه السّلام متكفلا لأمر المبارزة و إلقاء العصا و محاججة السحرة، إلّا أنّ أخاه هارون كان يعاضده في الأمر، و كان مستعدا لتقديم أي عون لأخيه.
و هذا التبدل و التغيّر المفاجئ العجيب في نفوس السحرة بحيث خطوا في لحظة واحدة من الظلمة المطلقة إلى النور المبين. و لم يكتفوا بذلك حتى أقحموا أنفسهم في خطر القتل، و أعرضوا عن مغريات فرعون و مصالحهم المادية ... كلّ ذلك لما كان عندهم من «علم» استطاعوا من خلاله أن يتركوا الباطل و يتمسكوا بالحقّ! إنّهم لم يجوبوا باقي الطريق بخطى العقل فحسب، بل ركبوا خيول العشق، و قد سكروا من عطر أزهاره، حتى كأنّهم لم يفيقوا من سكرتهم، و سنرى أنّهم لهذا السبب استقاموا بشجاعة أمام تهديدات فرعون الرهيبة ...
نقرأ
حديثا عن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال: «ما من قلب إلّا بين إصبعين من أصابع الرحمان، إن شاء أقامه، و إن شاء أزاغه» [١]
(و بديهي أن مشيئة اللّه في هاتين المرحلتين تتعلق باستعداد الإنسان، و هذا التوفيق أو سلب التوفيق إنّما هو لأجل قابلية القلوب المختلفة، و ليس اعتباطا).
أمّا فرعون، فحيث وجد نفسه مهزوما معنويا و يرى من جانب آخر أن وجوده و سلطانه في خطر، و خاصّة أنه كان يعرف أيّ تأثير عميق لإيمان السحرة في قلوب سائر الناس، و من الممكن أن يسجد جماعة آخرون كما سجد السحرة، فقد تذرع بوسيلة جديدة و ابتكار ماكر، فالتفت إلى السحرة و قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ. [٢]
[١]- تفسير في ظلال القرآن، ج ٦، ص ٢٠٨.
[٢]- جاء التعبير في هذه الآية (٧١) من سورة طه ب آمَنْتُمْ لَهُ و جاء التعبير في الآية (١٢٣) من سورة الأعراف