الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٢ - نور الإيمان في قلوب السحرة
عصى موسى، و أضافوا عليها الحبال ليثبتوا علوّهم و فضلهم عليه ...
فتهللت أسارير وجوه الناس و وجه فرعون فرحا، و أشرق الأمل في عيني فرعون و أتباعه، و سرّوا سرورا لم يكن ليخفى على أحد، و سرت فيهم نشوة اللّذة من هذا المشهد! إلّا أنّ موسى عليه السّلام لم يمهل الحاضرين ليستمر هذا المشهد و يدوم هذا الفصل المثير، فتقدم فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فتحولت الى ثعبان عظيم و بدأت بالتهام وسائل و أدوات السحرة بسرعة بالغة فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ. [١] و هنا طاف صمت مهيب على وجوه الحاضرين و غشّاهم الوجوم و فغرت الأفواه من الدهشة و العجب، و جمدت العيون، و لكن سرعان ما انفجر المشهد بصراخ المتفرجين المذعورين ففر جماعة من مكانهم و بقي آخرون يترقبون نهاية المشهد، و أفواه السحرة فاغرة من الدهشة ...
و تبدّل كل شيء، و ثاب السحرة إلى رشدهم بعد أن كانوا- إلى تلك اللحظة- مع فرعون غارقين في الشيطنة، و لأنّهم كانوا عارفين بقضايا السحر و دقائقه، فإنّهم تيقنوا أن عصا موسى لم تكن سحرا، بل هي معجزة إلهية كبرى فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ.
الطريف أنّ القرآن يعبر عن خضوع السحرة ب «ألقي» و هذا التعبير إشارة إلى منتهى التأثير و جاذبية معجزة موسى لهم، حتى كأنّهم سقطوا على الأرض و سجدوا دون اختيارهم ...
و اقترن هذا العمل العبادي- و هو السجود- بالقول بلسانهم ف قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ.
و لئلا يبقى مجال للإبهام و الغموض و التردد، و لئلا يفسر فرعون ذلك تفسيرا
[١]- (تلقف) مشتق من (اللقف) على زنه (السقف) و معناه إمساك الشيء بسرعة، سواء كان ذلك باليد أم الفم، و معلوم أن المراد هنا الإمساك بالفم و الابتلاع، و (يأفكون) مشتق من (الإفك) و معناه الكذب، و هي إشارة إلى وسائلهم الباطلة.