الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧ - لم لا يملك هذا الرّسول كنوزا و جنات؟!
الفقر و الذل، فهلّا ألقي عليهما أساورة من ذهب، إعظاما للذهب و جمعه، و احتقارا للصوف و لبسه. و لو أراد اللّه سبحانه بأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان، و معادن العقيان، و مغارس الجنان، و أن يحشر معهم طيور السماء و وحوش الأرض لفعل، و لو فعل لسقط البلاء و بطل الجزاء، و اضمحلت الأنباء، و لما وجب للقابلين أجور المبتلين، و لا استحق المؤمنون ثواب المحسنين، و لا لزمت الأسماء معانيها، و لكن اللّه سبحانه جعل رسله اولي قوّة في عزائمهم، و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعة تملأ القلوب و العيون غنى، و خصاصة تملأ الأبصار و الأسماع أذى.
و لو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام و عزّة لا تضام، و ملك تمتد نحوه أعناق الرجال، و تشدّ إليه عقد الرحال، لكان ذلك أهون على الخلق في الإعتبار و أبعد لهم في الاستكبار، و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم، فكانت النيّات مشتركة و الحسنات مقتسمة، و لكن اللّه سبحانه أراد أن يكون الإتباع لرسله و التصديق بكتبه و الخشوع لوجهه و الاستكانة لأمره و الاستسلام لطاعته، أمورا له خاصّة لا تشوبها من غيرها شائبة. و كلما كانت البلوى و الاختبار أعظم كانت المثوبة و الجزاء أجزل». [١]
و الجدير بالذكر أنّ البعض يرى بأنّ المراد بالجنّة و القصور، جنّة الآخرة قصورها، لكن هذا التّفسير لا ينسجم مع ظاهر الآية بأي وجه. [٢]
[١]- «الخطبة القاصعة»، الخطبة ١٩٢ نهج البلاغة.
[٢]- و كذلك الذين قالوا: إن المقصود هو جنات الدنيا و قصور الآخرة، فالفعلان الماضي و المضارع (جعل و يجعل) اللذان في الآية، ينبغي ألا يكونا باعثا على هكذا و هم أيضا، لأنّنا نعلم طبقا لقواعد الأدب العربي، أن الأفعال في الجملة الشرطية تفقد مفهومها الزماني.