حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٢٤ - معنى محبة الله للعبد
وهؤلاء في الحقيقة لا يتنعّمون بنعمة المحبّة، وعبادتهم غير قائمة على أساس المحبّة، وإنّما على أساس الخوف والخشية، وفي المقابل تعني محبّة اللّه لهذه الطائفة توفيق العمل الصالح في الدنيا، وجزاؤهم في الآخرة الجنّة.
ولكن في الوقت نفسه يوجد من بين عباد اللّه ثلّة وإن كانت قليلة عددا تحبّ اللّه واقعا وتطيعه لا عن خوفٍ من عذابه، ولا طمعا في جنّته، وإنّما حبّا له وتعلّقا به. هذه الثلّة تقول في مناجاتها للّه:" سَيِّدي ... أنَا مِن حُبِّكَ ظَمآنُ لا أروى"، وتقول أيضا:" مَا أطيَبَ طَعْمَ حُبِّكَ"، وأيضا:" يا نِعَمي وَجَنَّتي"، وأيضا:" فَهَبني يا إلهي وسَيِّدي ومَولايَ ورَبّي صَبَرتُ عَلى عَذابِكَ فَكَيفَ أصبِرُ عَلى فِراقِكَ"، وما إلى ذلك.
ومن الطبيعيّ أنّ حبّ اللّه لهذه الثلّة يتّخذ مفهوما آخر، والمعنى والمفهوم الحقيقي لهذين النوعين من المحبّة لا يدركه إلّا من بلغ تلك المرحلة، وكلّ كلام يستهدف بيان المحبّة الحقيقيّة للمخلوق وتفسيرها تجاه الخالق وبالعكس يبقى ناقصا غير وافٍ بالغرض، وأفضل بيان يعكس آثار هذه المحبّة هو ما ورد في حديث" التقرّب بالنوافل".[١] قال الفقيه المحقّق الكبير الشيخ البهائي رحمهاللّه بشأن هذا الحديث:
وَهَذا الحَدِيث، صَحِيحُ السَّنَد وَهُوَ مِن الأَحادِيثِ المَشهُورَةِ بَينَ الخَاصَّة وَالعَامَّة وقَد رَوُوه فِي صِحاحِهِم بِأدنى تَغيِيرٍ.
وقال في بيانه لمعنى جملة:" وإنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أحِبَّهُ":
النوافل جميع الأعمال غير الواجبة ممّا يُفعل لوجه اللّه سبحانه، وأمّا تخصيصها بالصلاة المندوبة فعرف طارئ، ومعنى محبّة اللّه سبحانه للعبد توفيقه للتجافي عن دار الغرور والترقّي إلى عالم النور، والانس باللّه والوحشة ممّا سواه، وصيرورة جميع الهموم همّا واحدا. قال بعض العارفين: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما أقامك.
[١] راجع: مصباح المتهجّد: ص ٨٤٧.