حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٢٧ - ٣ نطاق حرية الإنسان في دائرة التقدير الإلهي
الأحاديث السابقة من أنّه:" كلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ" يشير إلى هذه الملاحظة.
نعم كلّ شيء في نظام الخلق يمتلك الاستعداد لهدف خاصّ على أساس التقدير الحكيم للحقّ تعالى، وهذا الهدف يمكن توظيفه في ذلك النطاق، كما روي عن الإمام عليّ عليه السلام:
قَدَّرَ ما خَلَقَ فَأَحكَمَ تَقديرَهُ، وَدَبَّرَهُ فَأَلطَفَ تَدبيرَهُ، وَوَجَّهَهُ لِوِجهَتِهِ فَلَم يَتَعَدَّ حُدودَ مَنزِلَتِهِ، وَلَم يَقصُر دونَ الانتِهاءِ إلى غايَتِهِ، وَلَم يَستَصعِب إذ أُمِرَ بِالمُضِيِّ عَلى إرادَتِهِ.[١]
يقول ابن أبي الحديد في تفسير تلك العبارات:
يقول عليه السلام إنَّه تعالى قدَّر الأشياء الّتي خلقها، فخلقها محكمةً على حسب ما قدّر، وألطف تدبيرها، أي جعله لطيفا، وأمضى الامور إلى غايتها وحدودها المقدَّرة لها، فهيّأ الصقرة للإصطياد، والخيل للرُّكوب والطراد، والسَّيف للقطع، والقلم للكتابة، والفلك للدوران، ونحو ذلك، وفي هذا إشارة إلى قول النبيِّ صلى اللّه عليه و آله:" كُلُّ مُيَسَّرٍ لِما خَلَقَ لَهُ"، فلم تتعدّ هذه المخلوقات حدود منزلتها الَّتي جعلت غايتها.[٢]
إنّ الإنسان لا يمكنه كسائر المخلوقات أن يخرج من نطاق المقدّرات الإلهيّة، والفرق الوحيد بين الإنسان وسائر المخلوقات هو أنّه حرّ في تعيين مصيره في نطاق المقدّرات الإلهيّة، وإنّ نظام الخلق سوف يوفّر له أداة الوصول إلى المصير الّذي يختاره مهما كان هذا المصير:" كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً".[٣]
[١] نهج البلاغة: الخطبة ٩١.
[٢] شرح نهج البلاغة: ج ٦ ص ٤١٧.
[٣] الإسراء: ٢٠.