حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٠٦ - أنصار الجبر في العلوم المختلفة
يمثّل أهل الحديث أحد التيّارات العقيديّة المهمّة في الإسلام، وهم لا يعتبرون أنفسهم من أهل الجبر، ولكنّ كلامهم يستلزم الجبر. يذكر أحمد بن حنبل في رسالته الاعتقادية:
واللّه عز و جل قضى قضاءه على عباده، لا يجاوزون قضاءه بل كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدّر عليهم لا محالة، وهو عدل منه عز و جل. والزنى، والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والشرك باللّه عز و جل، والذنوب والمعاصي كلّها بقضاءٍ وقدرٍ من اللّه عز و جل، من غير أن يكون لأحدٍ من الخلق على اللّه حجّة، بل للّه عز و جل الحجّة البالغة على خلقه" لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ"[١] ... ومن زعم أنّ اللّه عز و جل شاء لعباده الّذين عصوا الخير والطاعة، وأنّ العباد شاؤوا لأنفسهم الشرّ والمعصية يعملون على مشيئتهم، فقد زعم أنّ مشيئة العباد أغلب من مشيئة اللّه عز و جل. فأيّ افتراء على اللّه أكبر من هذا؟.[٢] إنّ الأشاعرة يُعدّون المصداق البارز للجبريّة المتوسّطة، رغم أنّهم لا يعتبرون أنفسهم جبريّين. ويؤمن الأشعري بعموميّة القضاء والقدر الجبريّين في الأفعال، ويرى أنّ كلّ الأشياء ومنها أفعال الإنسان الاختياريّة مخلوقة من قبل اللّه سبحانه. يقول أبو الحسن الأشعري (المؤسس لنظرية الأشاعرة):
لافاعل له على حقيقته إلّا اللّه تعالى.[٣] وقد طرح نظريّة" الكسب" من أجل أن يتفادى الجبر وينسب دورا ما للإنسان، فهو يرى أنّ القدرة القديمة هي وحدها المؤثّرة في الخلق وإيجاد الفعل، وهذه القدرة للّه. وأمّا الإنسان فهو يتمتّع بالقدرة الحادثة، وأثر هذه القدرة هو الإحساس بالحريّة والاختيار، لا القيام بالفعل.
[١] الأنبياء: ٢٣.
[٢] راجع: بحوث في الملل والنحل: ج ١ ص ١٦١.
[٣] اللمع: ص ٣٩.