وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤١٦ - ٢- الفقه المالكيّ
أعلم- انّ النبيّ (ص) أراد أن يوسّع على أمّته بأن يكرر لهم الفعل، فإنّ أكثرهم لا يستطيع أن يوعب بغرفة واحدة، فجرى مع اللطف بهم و الأخذ لهم بأدنى أحوالهم إلى التخلّص، و لأجل هذا لم يوقت مالك في الوضوء مرّة و لا مرّتين و لا ثلاثا إلّا ما أسبغ.
قال: و قد اختلفت الآثار في التوقيت، يريد اختلافا يبيّن أنّ المراد معنى الإسباغ لا صورة الأعداد. و قد توضّأ النبيّ (ص) كما تقدّم، فغسل وجهه بثلاث غرفات، و يده بغرفتين، لأنّ الوجه ذو غضون و دحرجة و احديداب، فلا يسترسل الماء عليه في الأغلب من مرّة، بخلاف الذراع فإنّه مسطّح فيسهل تعميمه بالماء و إسالته عليها أكثر ممّا يكون ذلك في الوجه.
فإن قيل: فقد توضّأ النبيّ (ص) مرّة مرّة و قال: «هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلّا به»، و توضّأ مرّتين مرّتين و قال: «من توضّأ مرّتين مرّتين آتاه اللّٰه أجره مرّتين»، ثمّ توضّأ ثلاثا ثلاثا و قال: «هذا وضوئي و وضوء الأنبياء من قبلي، و وضوء أبي إبراهيم»، و هذا يدلّ على أنّها أعداد متفاوتة زائدة على الإسباغ، يتعلّق الأجر بها مضاعفا على حسب مراتبها.
قلنا: هذه الأحاديث لم تصحّ، و قد ألقيت إليكم وصيّتي في كلّ وقت و مجلس ألّا تشتغلوا من الأحاديث لما لا يصحّ سنده، فكيف ينبني مثل هذا الأصل على أخبار ليس لها أصل، على أنّ له تأويلا صحيحا، و هو انّه توضّأ مرّة مرّة و قال: «هذا وضوء لا يقبل اللّٰه الصلاة إلّا به»، فإنّه أقلّ ما يلزم، و هو الإيعاب على ظاهر هذه الأحاديث بحالها، ثمّ توضّأ بغرفتين و قال: «له أجره مرّتين في كلّ تكلف غرفة ثواب»، و توضّأ ثلاثا و قال: «هذا وضوئي»، معناه الذي فعلته رفقا بأمّتي و سنّة لهم، و لذلك يكره أن يزاد على ثلاث، لأنّ الغرفة الأولى تسنّ العضو للماء، و تذهب عنه شعث التصرّف، و الثانية ترحض أي تغسل وضر الوضر: وسخ الدسم و اللبن العضو، و تدحض وهجه، و الثالثة تنظّفه، فإن قصرت دربة أحد عن هذا كان بدويّا جافيا، فيعلّم الرفق حتّى يتعلّم، و يشرع له سبيل الطهارة حتّى ينهض إليها، و يتقدّم، و لهذا قال من قال: (فمن زاد على