وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤١٥ - ٢- الفقه المالكيّ
«حدّثني يحيى بن مالك، عن عمرو بن يحيى المازنيّ، عن أبيه، انّه قال لعبد اللّٰه بن زيد بن عاصم، و هو جدّ عمرو بن يحيى المازنيّ، و كان من أصحاب رسول اللّٰه: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول اللّٰه يتوضّأ؟.
فقال عبد اللّٰه بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يده، فغسل يديه مرّتين، ثمّ تمضمض، و استنثر ثلاثا، ثمّ غسل وجهه ثلاثا، ثمّ غسل يديه مرّتين الى المرفقين، ثمّ مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما و أدبر، بدأ بمقدّم رأسه ثمّ ذهب بهما إلى قفاه، ثمّ ردّهما، حتّى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثمّ غسل رجليه» [١].
لم يوقّت مالك في الموطّأ غسلات الوضوء بمرّة و لا مرّتين، و لا ثلاث مرّات، و لم يبوّب بابا في الافراد و التثنية و التثليث، و إنّما اقتصر على هذه الرواية التي لم يرد فيها إلّا تثليث غسل الوجه و غسل الرجلين، لكنّ ابن رشد و القرطبيّ المالكيّ قال: «اتّفق العلماء على الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرّة مرّة إذا أسبغ و أنّ الاثنين و الثلاث مندوب إليها» [٢].
فالمالكيّة استنتجوا من قول مالك و سائر المرويات أنّ التثليث أيضا مندوب إليه، و أنّه وضوء مجز و إن كان يتحقّق فعله بواحدة على نحو الإسباغ.
و لابن العربيّ في أحكام القرآن تحقيق انفرد به، و هو: «إنّ قول الراوي انّ النبيّ (ص) توضّأ مرّتين و ثلاثا، انّه أوعب بواحدة، و جاء بالثانية و الثالثة زائدة، فإنّ هذا غيب لا يدركه بشر، و إنّما رأى الراوي أنّ النبيّ (ص) قد غرف لكلّ عضو مرّة فقال: توضّأ مرّة، و هذا صحيح صورة و معنى، ضرورة أنّا نعلم قطعا انّه لو لم يوعب العضو بمرّة لأعاد، و أمّا إذا زاد على غرفة واحدة في العضو أو غرفتين فإنّنا لا نتحقّق أنّه أوعب الفرض في الغرفة الواحدة و جاء ما بعدها فضلا، أو لم يوعب في الواحدة و لا في الاثنين حتّى زاد عليها بحسب الماء و حال الأعضاء في النظافة، و تأتي حصول التلطّف في إدارة الماء القليل و الكثير عليها، فيشبه- و اللّٰه
[١] الموطّأ لمالك ١: ١٨- ١.
[٢] بداية المجتهد ١: ١٣.