تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٣٩٦ - أنّ الطهارات الثلاث عبادات في أنفسها
والاكتفاء بقصد أمرها الغيري فإنّما هو لأجل أنّه يدعو إلى ما هو كذلك في نفسه، حيث إنّه لا يدعو إلا إلى ما هو المقدّمة، فافهم[١] انتهى ـ وذيل الكلام إشارة إلى ما سيأتي عنه في الأمر الثاني ـ .
وفيه احتمالان: الأوّل: أنّ الأمر الغيري إنّما لا يكون مقرّباً ولا يترتّب على إتيان متعلّقه الثواب فيما لا يكون فيه رجحان ذاتي لا فيما كان فيه ذلك.
الثاني: أنّ هذا الأمر لمّا كان يدعو إلى ما هو عبادة فلا محالة يكون في ضمن قصده قصد الأمر النفسي ويجوز الاكتفاء به ويترتّب الثواب على متعلّقه لما فيه من قصد هذا الأمر ضمناً.
ويشكل على كلا الاحتمالين أنّه قد يتّفق عدم علم المكلّف بالاستحباب النفسي وأمره، بل كان داعيه منحصراً في الأمر الغيري بما هو، وقد عرفت أنّ ظاهر الفقهاء الاكتفاء به في مثل هذا المورد أيضاً وترتّب الثواب عليه مع أنّ الأمر الغيري لا يكاد يكون مقرّباً موجباً لاستحقاق الثواب.
والتحقيق: أنّه لا فرق بين الطهارات الثلاث وبين سائر المقدّمات التوصّلية في أنّ الإتيان بها بقصد التوصّل إلى غاياتها التي اُمر بها لأجل تلك الغايات موجب للقرب والثواب، وبه يعدّ العبد مطيعاً منقاداً للمولى، وكاد أن يقطع الوجدان بالفرق بينه وبين غير المبالي بأوامر المولى من دون فرق بينها أصلاً، كما عرفت ذلك ممّا حقّقناه في الأمر المتقدّم.
وإنّما الفرق أنّه لم يعتبر هذا القصد في وقوع المقدّمات على وجه الصحّة في غير الطهارات وأمّا فيها فقد اعتبر ذلك في صحّتها ولا بأس به بعد دلالة الأدلّة
[١]. كفاية الاُصول: ١٤٠.