تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ١٩ - الجهة الاُولى في حقيقة الوضع
مجعول من الله تعالى إلا أنّه لم يبلّغه الرسل وإنّما كان إدراك هذه الحقيقة الثابتة بالإلهام لا بالتبليغ.
فالوضع ليس أمراً تكوينياً واقعياً؛ لأنّه من اعتبارات اللّه تعالى ومجعولاته كما أنّه ليس كسائر الاُمور الاعتبارية؛ لأنّ إيصالها بواسطة الرسل مع أنّ إيصاله بالإلهام، فهو بهذا اللحاظ برزخ بين الأمر الحقيقي والجعلي[١].
وفيه أوّلاً: أنّه لا مانع من الجعل البشري؛ لعدم لزوم كونه من شخص واحد، بل إنّما يقع ويعتبر تدريجاً على حسب الوقايع والاحتياجات البشرية ولذلك لم يكن واقعة واحدة ذات أهمّية يستلزم نقلها.
وثانياً: أنّه لا يكفي في حصول التفاهم إلهام المتكلّم الأوّل بالوضع ما لم يعلم المخاطب بذلك إمّا بإلهامه بالمعنى أيضاً فيستلزم علم كلّ أحد بجميع اللغات والمعاني وهو خلاف الوجدان والضرورة أو بإخبار المتكلّم وهو أيضاً خلاف الوجدان؛ إذ لم يعهد من المستعمل الأوّل الإخبار بالوضع منه تعالى أو الإلهام بالوضع ولا مشاحة فيه، فيكون الوضع من البشر.
ثمّ إنّه١ بعد ما قرّر كون الواضع هو اللّه تعالى أفاد بأنّ قضية الحكمة البالغة كون وضع اللفظ الخاصّ للمعنى الخاصّ إنّما هو لمناسبة ذاتية بينهما وغاية ما يقرّب به ذلك أنّه مع عدم المناسبة لم يكن وجه لوضع خصوص هذا اللفظ دون غيره فوضعه ترجيح بلا مرجّح وهو محال[٢]، انتهى.
ويعرف ما فيه بما مرّ في القول السابق كما لا يخفى.
[١]. فوائد الاُصول ١: ٣٠.
[٢]. فوائد الاُصول ١: ٣٠ ـ ٣١.