سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٠٠ - الباب الثانى و الستون فى القضاء و القدر و التوكل و الطلب
الهدى، و سلك بى سبل الرّدى، أ أحسن إلىّ أم أساء؟ فقال له عليّ: إن كنت استوجبت عليه حقا فقد أساء، و إن كنت لم تستوجب عليه شيئا، فهو يفعل ما يشاء.
و قال ميمون بن مهران[١] لغيلان القدرى[٢]: سل، فأقوى ما تكونون إذا سألتم، فقال غيلان: أشاء الله أن يعصى؟ فقال ميمون: أ يعصى كارها؟
فانقطع غيلان.
و روى أن رجلا قال لبرزجمهر: تعال نتناظر فى القدر. فقال: و ما تصنع بالمناظرة فى القدر؟ رأيت ظاهرا استدللت به على الباطن، و رأيت أحمق مرزوقا، و عاقلا محروما، فعلمت أن التّدبير ليس إلى العباد.
و قال بعضهم:
|
يخيب الفتى من حيث يرزق صاحبه |
و يعطى المنى من حيث يحرم طالبه |
|
و لما قدم موسى بن نصير[٣] بعد فتح الأندلس، على سليمان بن عبد الملك[٤] فقال له يزيد بن المهلب[٥]: أنت ادهى الناس و أعلمهم فكيف طرحت نفسك فى يدى سليمان؟ فقال موسى: إن الهدهد يهندس الماء فى الأرض الفيافى[٦]، و يبصر القريب منه و البعيد، على بعده فى التخوم[٧]، ثم ينصب له الصبيّ الفخ بالدودة و الحبة، فلا يبصره حتى يقع فيه.
[١] - ميمون بن مهران الرقى الفقيه و القاضى سبقت ترجمته.
[٢] - غيلان القدرى: غيلان بن مسلم القدرى الدمشقى أبو مروان متظلم و كاتب من البلغاء تنسب إليه فرقة« الغيلانية» من القدرية( القدر خيره و شره من العبد لا من الله) ثانى متكلم بالقدرية بعد معبد الجهنى، قيل أنه تاب فى عهد عمر بن عبد العزيز ثم جاهر بمذهبه فى عهد هشام بن عبد الملك فأفتى العلماء بقتله( و منهم الأوزاعى) و أمر هشام بن عبد الملك بقتله و صلب على باب كيسان بدمشق سنة ١٠٥ ه( الأعلام ٥/ ١٢٤).
[٣] - موسى بن نصير والى أفريقيا و الذى وجه الجيوش لفتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد. سبقت ترجمته.
[٤] - سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموى السابع. سبقت ترجمته.
[٥] - يزيد بن المهلب بن أبى صفرة، أمير من القادة الشجعان ولى خراسان بعد وفاة أبيه سنة ٨٣ ه و عزله عبد الملك بن مروان برأى الحجاج الذى كان يكرهه و يخشى بأسه، فلما ولى سليمان بن عبد الملك ولاه العراق ثم خراسان ثم البصرة، ثم لما جاء عمر بن عبد العزيز عزله و حبسه و بعد وفاة الخليفة عمر أخرجه غلمانه من السجن و هرب للبصرة و قاتل أمير العراق مسلمة بن عبد الملك و قتل هناك سنة ١٠٢ ه( الأعلام ٨/ ١٩٠).
[٦] - الأرض الفيافي: الواسعة.
[٧] - التخوم: الحدود.