سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٢٦ - الباب السادس و العشرون في بيان معرفة الخصال التي هي جمال العقل
و قال: يا رب أعظم دمي في عين أعدائي، كما عظّمت في عيني دم عدوي، و كذلك خلّصني من جميع الهموم.
و قالت حكماء الهند: لا سؤدد مع انتقام، و لا سياسة مع عزازة نفس و عجب.
و قالت الحكماء: ليس الإفراط في شيء، أجود منه في العفو، و لا هو في شيء أقبح منه في العقوبة، و كذلك التقصير، مذموم في العفو محمود في العقوبة.
و اعلم: أنك إن تخطئ في العفو في ألف قضية، خير من أن تخطئ في العقوبة في قضية واحدة.
و قال معاوية: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، و جهل أكبر من حلمي، و عورة لا يواريها ستري.
و قال المأمون: ليس عليّ في الحلم مئونة، و لوددت أنّ أهل الجرائم علموا رأيي في العفو، فيذهب الخوف عنهم، فتخلص لي قلوبهم.
و قال رجل للمنصور، يا أمير المؤمنين: إن الانتقام انتصاف و التّجاوز فضل، و المتجاوز قد جاوز حدّ المنصف، و نحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين[١]، و أن لا يرتفع إلى أعلى الدرجتين، فاعف عنا يعف اللّه عنك، فعفا عنهم. و أنشدوا:
|
و إذا بغى باغ عليك بجهله |
فاقتله بالمعروف لا بالمنكر |
|
و قال بعضهم لمسلم بن قتيبة[٢] لما عفا عنه: و اللّه ما أدري أيها الأمير أي يوميك أشرف، أ يوم ظفرت ... أم يوم عفوت؟.
[١] - أوكس النصيبين: أنقصهما و أقلهما.
[٢] - مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي أمير ابن أمير كان أمير الجيوش و والي خراسان زمن عبد الملك بن مروان من جهة الحجاج بن يوسف و هو المشهور بحزمه و نبله و فصاحته و كان جده كبير القدر عند يزيد بن معاوية، و كان أهل البصرة يفخرون به.( الأعلام ٥/ ١٨٨).