سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٦٨ - فصل فيمن استبصر من أبناء الملوك عيب الدنيا و فناءها
فقال النعمان: قد علمت أنّ الشجرة و المقبرة لا يتكلمان، و قد علمت أنك إنما أردت عظتي، فجزاك الله عني خيرا، فما السبيل الذي تدرك به النجاة؟
قال: تدع عبادة الأوثان، و تعبد الله وحده، قال: و في هذه النجاة؟ قال: نعم.
فترك عبادة الأوثان، و تنصّر يومئذ، و أخذ في العبادة و الاجتهاد.
و قال عبد الله بن المعلم[١]: خرجنا من المدينة حجّاجا، فلما كنا بالرّويثة[٢] نزلنا، فوقف بنا رجل عليه ثياب رثّة، ليس له منظر و هيئة، فقال:
من يبغي خادما؟ من يبغي ساقيا؟ فقلت: دونك هذه القربة، فأخذها فانطلق، فلم يلبث إلا يسيرا، حتى أقبل و قد امتلأت أثوابه طينا، فوضعها كالمسرور الضّاحك، ثم قال: لكم غير هذا؟ قلنا: لا، و أطعمناه قرصا باردا، فأخذه و حمد الله تعالى و شكره، ثم اعتزل و قعد، فأكله أكل جائع، فأدركتني عليه الرأفة، فقمت إليه بطعام طيّب كثير، فقلت له: قد علمت أنّه لم يقع منك القرص بموقع، فدونك هذا الطعام.
فنظر في وجهي و تبسّم، و قال: يا عبد الله، إنّما هي فورة جوع، فما أبالي بأيّ شيء رددتها، فرجعت عنه، فقال لي رجل إلى جنبي: أتعرفه؟ قلت: لا، قال: إنّه من بني هاشم، من ولد العباس بن عبد المطلب[٣] كان يسكن البصرة، فتاب فخرج منها، فتفقّد فما عرف له أثر، و لا وقف له على خبر، فأعجبني قوله، ثم اجتمعت به و آنسته، و قلت له: هل لك أن تعادلني[٤]؟ فإنّ معي فضلا من راحلتي، فجزاني خيرا، و قال: لو أردت هذا لكان لي معدّا. ثم أنس إليّ، فجعل يحدثني، فقال: أنا رجل من ولد العباس، كنت أسكن البصرة، و كنت ذا كبر شديد و بذخ، و إني أمرت خادما لي أن تحشو فراشا لي من حرير، و مخدّة بورد نثير، ففعلت، و إني لنائم إذا بقمع وردة قد أغفلته الخادم أيقظني، فقمت إليها فأوجعتها ضربا، ثم عدت إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدة، فأتاني آت في منامي في صورة فظيعة، فهزّني و قال:
[١] - عبد الله بن محمد بن فضلويه المعلم، من أئمة الإمامية الرافضة ..
[٢] - الرويثة: قال ياقوت الحموي في معجم البلدان:« هي مكان على بعد ليلة من المدينة» و نقل عن الحافظ في الفتح:« إنها قرية جامعة بينها و بين المدينة سبعة عشر فرسخا»، و نقل عن الزهري قوله:
« الرويثة منهلة من المناهل التي بين المسجدين، يقصد مكة و المدينة».( معجم البلدان ٣/ ١١٩).
[٣] - العباس بن عبد المطلب: عم النبي صلى اللّه عليه و سلم، من أكابر قريش في الجاهلية و الإسلام، إليه ينسب العباسيون، توفي سنة ٣٢ ه.( الأعلام ٣/ ٣٢).
[٤] - تعادلني: ترافقني و تركب معي، يقال: عادله في المحمل: أي ركب معه.