سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٢٢ - الباب السادس و الخمسون فى الظلم و شؤمه و سوء عاقبته
الخراج، قال: أما إنّي سمعت النبيّ صلى اللّه عليه و سلم يقول: «إن اللّه يعذّب الذين يعذّبون النّاس فى الدنيا»[١].
و أخبرنى رجل ممن كان يقرأ العلم بالإسكندرية، قال: كان هاهنا شيخ يكون عينا للمكّاسين[٢] يدور حولهم، فرأيته فى النوم بعد وفاته، فقلت له:
من أين تجئ؟ فقال لى: لا تسأل، فأعدت عليه. فقال: لا تسأل، فسألته فقال: من الجحيم، فقلت له: فإلى أين تذهب؟ قال: إلى مثل الدار التى خرجت منها، قلت: فكيف لقيت؟ قال: و ما ذا لقيت؟ كان لحمي قد جعل فى هاون[٣] و دقّ حتى صار مثل المخ.
و أخبرنى رجل من أهل العلم و الدين، قال: رأيت فلانا البيّاع فى النوم بعد وفاته، فقلت: ما فعل اللّه بك؟ قال: أنا محبوس عن الجنة، قلت: فبما ذا؟
قال: كنت ابيع فى الدكان فيزدحم الناس علىّ، فآخذ دراهمهم فأضعها فى فمى، و كلما تفرّغت و زنتها و أعطيت كلّ إنسان حقه، فاختلطت فى فمى الفضّتان، فجاء اثنان فدفعت لأحدهما بفضة الآخر، و كانت أنقص من فضته بحبة، ثم حوسبت فبقى علىّ حبة، فقلت: فادفع له الحبة و تخلّص، فجعل يقلب كفيه، و يقول: من أين أدفع له؟ من أين أدفع له؟ فكررها مرات.
و يروى أن يونس ٧[٤]: لما نبذ بالعراء، و أنبت اللّه عليه شجرة من يقطين، كان يأوى إلى ظلها، فيبست فبكى عليها، فأوحى اللّه تعالى إليه:
[١] - رواه الإمام أحمد فى مسنده و الإمام مسلم فى صحيحه، و أبو داود عن هشام بن حكيم، كما رواه الإمام أحمد و البيهقى فى شعب الإيمان عن عائض بن غنم و الحديث صحيح( الجامع الصغير للسيوطى رقم ١٩١٦).
[٢] - يأتى للمكاسين بالأخبار: المكاس هو الذى يأخذ المكس، و المكس هو ما يؤخذ من أموال الناس بغير الحق إما يؤخذ من بائعى السلع فى أسواق الجاهلية، أو ما يأخذه أعوان الدولة عن أشياء معينة عند بيعها أو عند ادخالها للمدن.
[٣] - الهاون: كلمة فارسية معربة و هو ما يدق فيه الدواء و غيره.
[٤] - يونس بن متّى من بنى يعقوب، عليه و السلام، بعثه اللّه تعالى- كما يقول أهل التفسير إلى أهل نينوى من أرض الموصل، فدعاهم إلى اللّه فكذبوه و تمردوا، فلما طال ذلك عليه من أمرهم، خرج من بين أظهرهم و وعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث ليال، و ركب الفلك الذى أوشك على الغرق، فساهم معهم فى القرعة فوقعت عليه فرموه فى البحر فالتقطه حوت و الذي أمره اللّه تعالى أن لا يهشم له لحما و لا عظما، ثم رماه على الشاطئ بأمر اللّه( و قصته تجدها فى قصص الأنبياء لابن كثير ص ٢٥٧ أو البداية و النهاية لابن كثير أو قصص الأنبياء للنجار).